Sunday, September 30, 2018

اسماء الفائزين - Winners


الفائزون في مسابقة المقال باللغة العربية:


1.   منار أشرف كمال سعيد عن مقال "موعد مع الموت"
2.   محمد رضوان محمد أحمد عن مقال "الذي لا يقهر"
3.   روان مرسي محمود أحمد عن مقال "إدغار الان بو ايقونة الرعب والغموض"
4.   علاء سعد حسن الدمراني عن مقال "النمط القوطي في قصص (القلب الواشي) و(قناع الموت الأحمر)"

5.   زياد محمد معوض عن مقال "القسوة محرك الابداع"
6.   فهد عبدالرحيم أبو عميرة عن مقال "بين قصتي «قناع الموت الأحمر» و«القلب الواشي».. كيف يتحكم الضمير في مصائرنا؟"


الفائزون في مسابقة المقال باللغة الانجليزية:


1- Amr Essam Mohamed Barakat "Beyond Poe's World"
2- Sarah Hamdy Mahmoud Ahmed Nassar "Symbolism in the Works of Edgar Allan Poe"
3- Aly Ahmed Atallah "Heartful Wilderness"
4- Sarah Mahmoud Hanafy Mahmoud Fetyha "The Tell Tale Heart"







موعد مع الموت تأليف منار أشرف كمال سعيد

ظلام دامس، أصوات تتجول حول المكان، ليل أنزل بدماسة على النفوس، فأخرج وفض ذاكرته بهمومه، فإنطلق غضب أو حزن أو قليل من التناقضات في الوجدان، حائر بين الخلق أم أنت المختلف عن الخلق، الناس إما تزرع في الشخص أسمى القيم أو تدفنه وسط القاذورات أو تجعله كالمعلق في حبل المشنقة وتحت قدميه كرسي لا يستطيع أن ينزع حباله، أو من الممكن لا هذا ولا ذاك وإنما هو بداخلك شتات، فتبقى مع فطرتك السليمة وإما تنزلق قدماك فتسقط  مع النفوس الهاوية، هذا ما نراه واضحًا عند قراءة قصة القلب الواشي للمؤلف" إدغار آلان بو "، لم تكن حياة "إدغار" بقدر من اليسر فكانت طفولته أشبه بطفولة بائسة، فقد كان يتيمًا منذ سنته الثانية ، وتم تبنيه من قبل أسره بورجوازية وبدأ الوالد بالاهتمام به حتى وصل إلى العام الأول من دراسته الجامعية، لكن علاقته به كانت شديدة الاضطراب، خصوصًا بعد أن بدأ إدغار بتعاطي الخمر فهاجر إلى" بوسطن" عام 1827 و بدأ كتابة الشعر من دون أن يحظى بفرص كبيرة للنشر، وانضمّ إلى الكلية الحربية في الجيش الأميركي كجندي،  وقد أثرت حياته بالفعل على ما كان يؤلفه من قصص، قصة" القلب الواشي" ومثل العديد من أعمال" بو"، هي قصة مظلمة و ترتكز الأحداث على وفاة رجل عجوز، ولكن وجود العديد من المعاني العميقة التي موجوده في القصة المتكونة من سبع صفحات، واستخدام المؤلف لطرق كثيره مثل السخرية والسر والتنبؤ قد أثرت على اهتمام القارئ  وفضوله بشكل جيد، وحيث تشعر وكان ما تقرأه بالفعل يحدث أمام عينك  تعتبر الشخصية الرئيسية للقصة مشوهة ومتناقضة بين حب وكره رجل عجوز، ربما كانت القصة عن خادم  يقتل سيده ومن الممكن أن يكون الراوي يحكى قصة وهمية وما حكى عنه مجرد وهم من خياله نتيجة التأثر بمرضه، ومن الممكن أن يكون قد تعافى جزئيًا أثناء سرده للقصة وأنه وقت الحادث كان مريضًا بالفعل ، ولكن إن كان هذا صحيحًا فلما لم تظهر عليه علامات الندم، كما أنه أظهر أنه كان ولا يزال عصبيًا وأدراك الإنسان لعصبيته  دليل على الإدراك الجزئي للعقل، أن السبب في فتح قصة الجريمة وتفاصيلها هو إِقناع القارئ بتعقله، وعند قوله كيف يمكن أن أخبركم القصة بهدوء كان هدفه اظهار سلامه عقله، تبدأ القصة بروى الأحداث عبر شخص مجهول الهوية ومجهول البلد و لم يتم حتى بالكشف عن اسمه، وتمكن المؤلف من أثاره فضول القارئ بهذه الطريقة المصحوبة بالغموض، من الواضح أنه شخص متوتر بشكل مخيف، ويحكى الراوي عن مؤامرة لقتل رجل عجوز و سبب تقدمه لهذا الفعل هو عين العجوز فقد كان يكرهها ويلقبها بعين النسر ليدافع عن فعلته كما أن هذا السبب يعطى دليلًا تافهًا على سلامه عقله، هناك غرابة في طريقة إلقاء الراوي للقصة حيث أنه يشعر بعدم ثقة القارئ فيه ظهر ذلك في تردد جملة تخالف ادعائه بالجنون، وهناك العديد من الأسباب التي تثير الشك لدى القارئ أنه عكس ما ذكر أولها، ادعائه بحب الرجل العجوز وإقراره بأنه كان يحسن معاملته.
ولكنه ذكر تفاصيل قتله بوحشيه، كما أنه كان يضحك من ذكائه لقيامه بذلك الفعل.
وبالرغم من تسلله سبع ليالي لغرفته أثناء نومه ولكنه لا يزال لا يستطيع قتل الرجل العجوز،
وهنا الجزء الوحيد الذى يجعلك تعتقد بحبه للرجل ولكن ما جاء بعد ذلك ينفى ما ظهر، الغرابة هنا يمكن للشخص الطبيعي أن يتراجع عن أفكاره إذا قام بالانتظار وخصوصًا سبع ليالي، إما بالنسبة للراوي قام بإتمام الجريمة في الليلة الثامنة وتمزيق جسده ووضعها تحت ألواح أرضية غرفة الرجل المسن، كما أن ما يثبت للقارئ بأن لديه خلل ما بعقله أنه مع تقدم أحداث القصة يسقط الراوي أعمق وأعمق في الجنون مما يجعله بالفعل شخص غير موثوق فيه، ساعدت طريقة روى الراوي للقصة في الكشف عن المرض الذى يلاحق الراوي، إن الراوي مصاب بمرض من الأمراض النفسية وبالتحديد البارا نويا،  ويصاحب هذا المرض توهمات و هلاوس سمعية وبصرية، وهو اضطراب عقلي و يعتمد المريض فيها على تشبثه باعتقاد خاطئ، قد يتسم هذاءاته  بالمنطق لكنه ليس قائم على أساس صحيح.
ويزعم الراوي بأن الرجل العجوز لديه طباع العجز والضعف، وبالرغم بشعوره بضعف الرجل المسن كان يستخف به، وهنا يكشف أنه ومن المؤكد أن الراوي كان يرى ضعفه من خلال الرجل العجوز وكان الرجل المسن كما رأه الراوي، وبالرغم من معرفه ضعفه، كان يعتقد أن قلب الرجل العجوز مازال ينبض حتى بعد قتله ووضعه تحت ألواح الخشب، كما أن تناقده في اظهار سلامة عقله
تكمن في تحدثه عن احتياطاته التي وصفها بالحكيمة، لإخفاء جسد الرجل العجوز وبذلك قام بتفكيك هدفه لإقناع القارئ بأنه عاقل، بمعنى رواية الحكاية هي جزء من الجريمة نفسها، وعند مجيئ ضباط الشرطة الثلاث، والترحيب بهم بشيء من الرزانة والقول بأن الرجل العجوز خارج البلدة، وابتسامته لهم واظهار أنه لا يوجد خطب ما أو أي اشتباه في الجريمة ، واعتقد أنه يعلم أن السبب لأى  شخص طبيعي يفكر في قتل هذا الرجل هو الكنوز التي يملكها لذلك أراهم كنوز الرجل العجوز، وليثبت عدم توتره قام بإحضار الكراسي للضباط ، كما أنه أجاب على أسئلتهم  بهدوء تام و كان لاضطراب عقله عاملًا لكشف جريمته التي ارتكبها ، كما استخدم" بو" التوصيف في اظهار النضال الذى تحمله الراوي والصراع مع نفسه وبالنهاية يستسلم لذنبه ، والتي تظهر في سماعة للرنين في أذنه وهلاوس الصوت لم يحتمل
ووصفها كالتي تظهر من عقارب الساعة عندما تكون موضوعة في وسط شوال من القطن. كما أنه اعتقد بأنه يتحدث ويقوم بحركات عنيفة وأنه قد رمى الكرسي من شده الانزعاج، ولكن لم يكن يسمعه أو يشعر به أحد من الضباط، واستمروا بالكلام كما أظهر بعض الرموز مثل القلب الذي كان سريع الخفقان حتى ظن بأنهم قد علموا كل شيء وأنهم يسخرون من توتره، فلم يحتمل حينها وأفصح، عن جريمته، بقوله هنا يوجد هذا الخفقان النابض البغيض، استطاع "بو" أن يؤكد على أن الذنب قوى ولديه قدره التغلب على الضمير.
.....................................................................................................
ولا يمكنك الاختباء أنه يراك يشعر بخوفك و يراقبك بل أنه و بالفعل بجانبك الآن، ومع الوقت يبدأ العد التنازلي لحياتك، فينتظر إشارة من القدر ليقوم بمهمته، ربما استطعت النجاة منه مرة أو مرتين، ولا تظن أن هذا من ذكائك، لأنه مازال يتلاعب بك، وينتظرك في نهاية الطريق، كان لإدغار خيال واسع ونابض بالحياة، وهو أحد الأسباب التي جعلته يرتقى إلى النخبة الأدبية  يكتب "بو" قصه تقشعر لها الأبدان، كما استطاع " بو" أن ينشأ مشهد سريالي في قصة " قناع الموت الأحمر"، كما غلب عرض القصة ووصف للدير والغرف  بالمقارنة بقصة " القلب الواشي"،  القصة بها رموز عديدة غامضة ومخفيه،

تبدأ القصة بانتشار الطعون الذي عرف وقتها ب "الموت الأحمر"، ودخوله على مملكة الأمير "بروسبرو" وموت أكثر من نصف سكان المملكة، وتستمر القصة بجمع الأمير لأقرب أصدقائه، والمقربين اليه في القصر، إما جدران القصر فكانت عالية وحديدية مما يجعل من المستحيل لأي شخص دخولها أو مغادرتها، وتم تخزين الطعام والشراب وقاموا بإغلاق أبواب القصر للحماية من الطاعون، وانتظارًا لزواله، ويقيم الأمير حفلة تنكرية ويلاحظ أحد الضيوف مرتديًا زي الموت الأحمر فيقوم الأمير بمواجهته، ولكنه يلقى حدفه في النهاية، يدرك باقي الضيوف ما فعله الموت الأحمر بالأمير، ويبدأ الموت بإسقاطهم الواحد تلو الآخر
من المرجح أن التفسير الوحيد لشكل القاعة والقصر، وما بداخله من ديكور، يعطى بأن الأمير فيه
شيء من الغرابة، في وسط الموسيقى الصاخبة والمدعوون كان هناك ضيف غريب عن باقي المدعوين، وكان طويل القامه، ورفيع، يشبه الجثة في القبر، ويرتدي قناع كوجه الميت، يأمر الأمير بالكشف عن المتسلل ويعلن عن شنقه في الصباح، وتبدأ بمطاردة الأمير له وينتقل من غرفه لأخرى وصولًا للغرفة السوداء الأخيرة، ويواجهه فيسقط الأمير ميتًا وعند لحق الضيوف والحراس بهما، يكتشفون أنه لا يوجد شيء داخل الزي أو القناع، ويكشف "بو" عن هوية المتطفل، وبالرغم من انشغال القارئين بموضوع الموت والمرض في القصة إلا أن "بو" ركز على رحلة الحياة حتى الموت، في كتابة قصة من هذا النوع كان
"بو" ينظر للأمراض التاريخية التي حلت بالمجتمعات، فيمكن للقارئ أن يلاحظ الشبه الوثيق بين الموت الأحمر و الموت الأسود الذى انتشر في العصور الوسطى، ووباء الكوليرا الذى دمر فيلادلفيا 1790، كما ارتبطت الأعراض الجسدية للكوليرا بوصف الموت الأحمر، وربما صمت الضيوف أثناء أصداء الساعة كانت نتيجة لخوفهم من المرض أو من الممكن أن تكون إعلانًا لقدوم الموت إليهم، فكلما تقدم الوقت زادت فرصة الموت، المثير للأمر اختيار "بو" للرقم سبعة في عدد الغرف فكانت أولهم اللون الأزرق و الأرجواني و الأخضر و البرتقالي و الأبيض والبنفسجي أما الغرفة الأخيرة كانت السوداء، كانت الغرف ترمز لمرحلة حياة الإنسان وإن كل غرفة من الغرف هي مرحلة، وصولًا بالمرحلة الأخيرة وهى الموت، كما أن وضع السبع غرف من الشرق للغرب يُذكر القارئ بمسار الشمس والوقت، حيث الشمس تشرق من الشرق وينتهى بها المطاف بالغرب الذى نهايته الليل والذى يرمز للموت، كما أن يخشى الضيوف دخول الغرفة السوداء لأن بالفعل كل إنسان يخشى الموت، وبالرغم من أن الأمير قد اختار الغرف بنفسه و أمر بنائها، ولكنها في النهاية أودت بحياته، أما عن رمز آخر من الرموز التي في القصة وهى رمز" الساعة الأبنوس" الضخمة التي في أخر الغرفة كان يدل هذا الرمز على أهميه الزمن في الحياة، فكل ساعة تقضى من حياتك وتقربك أكثر إلى الموت، إن الموت ينظر للناس بشكل سوى، في النهاية هي قصة رمزية تخبرنا بوضوح أنه لا تستطع أن تغش الموت، أو تترجاه لوقت إضافي لحياتك، وإن لكل إنسان في النهاية لديه موعد مع الموت.

الذي لا يقهر تأليف محمد رضوان محمد أحمد



كان الموت ومازال منذ الأزل حقيقة ثابتة أجمع عليها البشر على اختلاف أفكارهم ومعتقداتهم، يموت الصغير منهم والكبير، الصحيح والعليل، الشجاع والجبان، لم يستطع التطور التكنولوجي أن يوقفه عن أداء مهمته الأزلية، فبقي على مر العصور سيفًا مسلطًا على رقاب البشر.
 وقد أدى الموت دورًا هامًا في حياة الكاتب الأمريكي الشهير (إدغار آلان بو) منذ بدايتها؛ فقد غيب الموت والدته وهو مازال طفلًا رضيعًا. وربما ترك ذلك أثرًا واضحًا في كتاباته؛ إذ كان الموت حاضرًا بصورة أو أخرى في الكثير من قصص (بو)، فعلى سبيل المثال في قصتيه الشهيرتين (القلب الواشي) و (قناع الموت الأحمر) كان الموت –في رأيي- حاضرًا بقوة، إذ يمكن اعتباره بطلًا مشتركًا بينهما، فحوله تدور الأحداث، وبه تنتهي حياة أغلب الشخصيات، يتجاوز بثقة وجرأة حدود الزمان والمكان بلا قيد أو رادع أو شفقة.
وتتضمن قصة (القلب الواشي) شخصيتين رئيسيتين: الأول رجل مسالم، تشبه إحدى عينيه عين النسر أو العُقاب، والآخر جاره المضطرب عقليًا الذي ينفر ويفزع من هذه العين، ومن ثم يقرر الأخير قتل الأول للتخلص من هذه العين الشريرة –كما يصفها- فينتهي دور الجار العجوز في القصة بموته؛ إذ ألقاه الجار المضطرب أرضًا، ثم ألقى فوقه السرير الثقيل حتى فاضت روحه، ويحاول الجار المضطرب النجاة بنفسه بإخفاء الجثة أسفل أخشاب أرضية غرفة القتيل، لكن اضطرابه العقلي يفضحه؛ إذ يهيئ له أن نبضات قلب القتيل تتعالى حتى أنه يسمعها بوضوح؛ فيعترف -مختارًا- لرجال الشرطة بجريمته، وهي جريمة عقوبتها الموت (الإعدام بوسيلة ما) في أغلب المجتمعات والعصور، فالموت في هذه القصة يبسط سطوته وسيطرته على كافة الشخصيات، أحدهما مات مقتولًا بلا ذنب اقترفه، والآخر من المتوقع أن يفقد حياته كعقوبة على جريمته.
أما في قصة (قناع الموت الأحمر) التي تحكي قصة أحد الأمراء (الأمير بروسبيرو) الذي فتك الموت بنصف سكان بلاده، وبدلًا من محاولة البحث عن علاج لبقية شعبه يقرر الهرب من الموت بوباء الطاعون (المسمى بالموت الأحمر) بالاختباء والاحتماء في دير أو كنيسة حصينة، ومعه نحو ألف فرد من الفرسان ورجال وسيدات البلاط، ولكن الموت في نهاية القصة لا يكتفى بأروح البسطاء التي حصدها، بل يحصد أرواح كافة الحاضرين المتحصنين بعيدًا عن الوباء بدءًا من الأمير وانتهاءًا بضيوفه من الرجال والنساء، أي أن حضور الموت في هذه القصة كان طاغيًا إذ قضي على كافة الشخصيات دون تفرقة بين غني وفقير، وحاكم ومحكوم.
والموت في القصتين يؤدي دوره المحتوم -كما اعتاد منذ الأزل- دون التفرقة بين شخص جبان وآخر رعديد، فلا يتراجع شفقة بالأول أو خوفًا من الثاني؛ فالكل ميت لا محالة؛ فهو لم يرأف بالرجل العجوز المسالم الذي كان يرتجف على فراشه بينما تتعالى نبضات قلبه فزعًا وخوفًا من المجهول، ولم يرحم المواطنين البسطاء الذي أخذهم على حين غفلة منهم، ولم يَهب الأمير الشجاع بخنجره ذا النصل اللامع، أو يتراجع أمام الفرسان ورجال البلاط رغم كثرتهم، فشخصية الموت شخصية شجاعة قوية لا تتردد أو تتقهقر أمام أي شخصية مهما كانت صفاتها أو طبيعتها.
وعلى الرغم من أن الموت كان حاضرًا بقوة في القصتين إلا أنه لم يتجسد في صورة حسية ملموسة في القصة الأولى؛ وإنما كان نتيجة لهجوم الجار المختل على جاره العجوز، بينما تجسد في القصة الثانية في صورة شخص طويل، هزيل، مقنع، ومكفن بأكفان ملطخة بالدماء، يسير في ثقة وتؤدة بين الحاضرين من علية القوم، يثير الفزع والرعب في قلوب الجميع، بينما يختفي تحت هذه الأكفان هيكل عظمي يحمل الطاعون (الموت الأحمر) يقضي على من شاء في لحظات في أعقاب صراخ الضحية نتيجة الآلام المبرحة كما حدث مع الأمير، أو يقضي على الألاف في فترة وجيزة كما حدث مع شعب الأمير وكما تكرر مع ضيوفه في وقت لاحق.
وعنصر الزمن في القصتين فيه شيء من التباين، ففي قصة (القلب الواشي) استغرق الموت ثمانية أيام للإجهاز على شخص واحد بعد عدة محاولات من جاره المضطرب عقليًا، لكن عملية القتل نفسها تمت في فترة وجيزة هي الفترة ما بين إلقاء العجوز أرضًا ثم إلقاء سريره الثقيل فوقه، أما في قصة (قناع الموت الأحمر) فإن الموت يظهر بصورة قوية جدًا، فالطاعون المسمى بالموت الأحمر يفتك بالإنسان الواحد خلال نصف ساعة بدءًا من ظهور الأعراض المرضية حتى وفاته، وقد استطاع بقوته الفتاكة القضاء على نصف سكان بلاد الأمير (بروسبيرو)، وقد حاول الأمير نفسه الاحتماء في الدير الحصين مع حاشيته لبضعة شهور إلا أن الموت -حين آن أوانه- ظهر للأمير وحاشيته عند منتصف الليل ليقطع عليهم حفلهم الراقص وموسيقاهم السعيدة، فبدأ حفلًا من نوع مختلف، حفل حصاد للأرواح، بدأ فيه بروح الأمير في ثوانٍ معدودة، ثم ما لبث أن حصد أرواح ضيوفه الألف قبل أن تشرق شمس يوم جديد، فالموت لا يأتي في التوقيت الذي يراه الإنسان مناسبًا بل يأتي بغتة، حتى لو توهم الإنسان أنه قد فر منه، أو أجل تنفيذ الحكم الصادر ضده، فإن الأمر لا يعدو إلا أن الموت لم يسع إليه، فإذا حانت لحظة الموت سعى إلى ضحيته في أي توقيت، واستغرق في عمله ثوان أو دقائق أو ساعات.
ولا يفرق الموت بين مكان وآخر، فالقصور والحصون تتساوى عنده بالأكواخ والشوارع، فهو لا يعجز عن الوصول إلى أي موضع يريده في أي وقت يحدده، فقد وصل إلى الرجل ذي العين المعطوبة وهو على فراشه داخل حجرته الآمنة بين جيرانه الذين عاش معهم لزمن طويل في مودة، وقد فتك بنصف سكان البلاد في دورهم وحقولهم ودروب بلادهم، ثم بالأمير والفرسان والنبلاء رغم كل التحصينات ووسائل الأمان والإجراءات الأمنية. فالكاتب –في اعتقادي-  كما يظهر من القصتين يؤمن أنه لا يمكن الاختباء من الموت، ولا يمكن لمكان أن يكون آمنًا من وصول الموت إليه، لا الحجرات المغلقة، ولا القصور المحصنة، ولا أعلى الأسوار وأمتن التحصينات، وهو أمر يتفق مع ثقافتنا وتراثنا، ويتوافق كذلك مع الآية القرآنية " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.." [النساء:78]
الخلاصة إن الموت كما يظهر في قصتي (بو) حتمي، لا يتأخر عن موعده، فلا ينسى ضحاياه مهما طال الزمن، ولا يمنعه مكان من الوصول إلى هدفه، ولا يفر منه شخص مهما بلغت مكانته أو سطوته، يحصد الألاف من البشر بنفس السهولة التي يقضي بها على فرد واحد.
فالموت عنده كما هو في الواقع ..... لا يقهر.


إدغار الان بو ايقونة الرعب والغموض تأليف روان مرسي محمود أحمد


            " مجنون.. مجنون، هذا هو ما ينادونني به.. إنني حقًا عصبي.. بل شديد العصبية، ولكن لماذا يقولون إنني مجنون؟! “؛ هكذا يتساءل أحد أبطال إدغار اَلان بو في قصته القلب الواشي التي ما إن تبدأ في قراءتها حتى تتصاعد أنفاسك تدريجيًا وتعلو نسبة الأدرينالين في دمك، حينها تقرأ متلهفًا لاستكمال تفاصيل الحكاية لتصل للحقيقة لمعرفة ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن يُصدم القارئ بنهاية غامضة يغلب عليها طابع الارتباك والحيرة، ليتصدر الموت المشهد ويسقط الأبطال في فخه، هكذا يُنهي اَلان بو قصته دائمًا وأبدًا.
و يستقطبنا تكرار النهايات المحرقة والمؤلمة للقلب التي يتخيلها اَلان بو في قصصه لمُطالعة ملابسات حياة كاتب القصص، الصحفي والشاعر؛ الذي ولد عام الف وثمان مائة وتسع في مدينة بوسطن وسافر إلى بريطانيا ودرس لخمس سنوات ثم إلي فرجينيا ليستكمل مسيرته العلمية وأظهر تفوقًا في دراسة اللغات والآداب ولكنه بسبب الظروف المادية السيئة ترك الجامعة بعد ثمانية أشهر، فاز في سن 24 في مسابقة للقصة القصيرة  لينتقل بذلك إلى عالم النقد الأدبي ويصبح ناقدًا  أدبيًا لمجلة "رسول الأدب الجنوبي "، نال شهرته بعد كتابة قصيدته “الغراب " 1845 وتُرجمت للفرنسية؛ فقد أهتم بكتابة الشعر الذي برع فيه بشهادة أساتذته ولكنه إتجه للكتابة في الصحف لجني المال لسداد ديونه وعندما فشل في ذلك أدمن على الكحول؛ الذي بدوره قضى على مسيرة الان بو وحياته معًا بعدما توفت أيضًا زوجته فيرجينيا التي أحبها وكتب فيها قصائد، بعدها بعامين توفى اَلان بو عن عُمر يناهز الأربعين عامًا، بعدما ترك لنا إرثًا ثمينًا من القصص" قناع الموت الأحمر"، الروايات البوليسية "جريمة قتل في المشرحة" ومن القصائد الشعرية" الغراب" ,ليُصبح بذلك اَلان بو أيقونة لكتابة قصص الرعب وروايات المُخبرين كما يُعزى إليه تقديم أدب الخيال العلمي .
أؤمن دومًا بأن كل منا مبدع وفنان ولكننا نريد دومًا إحكام السيطرة على لجام أنفسنا حتى لا تنفلت خوفًا على صورتنا أمام المجتمع، وعلى العكس فعل اَلان بو أطلق العنان لأفكاره وتصوراته في الحياة ورسم أبطاله بكل جرأة كما أظهر تمكنه في قلمه ليرسم بذلك حبكة درامية جريئة وغير اعتيادية على القراء في القرن التاسع عشر الذي كان يميل للوداعة والهدوء ويستهوي­­­­­­­­­ قراءة الرومانسيات.
أربكت المجتمع الزوبعة التي أحدثها اَلان بو وحتى الاَن حين نقرأ قصصه لا نصدق من أين أتى بهذه الأفكار والطرق الغريبة المتنوعة في القتل؟ وكيف كان يفكر أثناء­­­ كتابته لهذه الميتات المتنوعة؟ أكان يعقد صفقة مع الشيطان ليمده بهذه السبل الغريبة المؤدية للموت؟ فتارة يقتل أبطال قصصه بمرتبة وتارة بتحنيط الضحية في قالب من الأسمنت وتارة اَخرى الطاعون.
يأخذنا اَلان بو في قصته "القلب الواشي" لحادثة مطموسة المعالم لا نتعرف فيها على هوية القاتل كل ما نعلمه أنه شعر بالتضرر من عين العجوز الذي استأجر عنده حجرة، ولماذا عينه؟ لأنها عين النسر زرقاء باهته عليها غشاوة تزعجه!!، ولم تكن عين العجوز وحدها تزعج القاتل بل كان يسمع أصواتًا لخنافس تضرب رأسها على الأخشاب ترجمها القاتل وفقًا لمعجمه التالف ونفسه المُعتلة إلى أنها أجراس إنذار تُعلن قدوم الموت!، واختلط صوت الخنافس بأنين فسره القاتل على أنه صوت رعب القادم من أعماق العجوز.
تعددت الأصوات التي يسمعها القاتل والتي صنعها اَلان بو بمهارة كاتب ملم بالأوتار التي يلعب عليها عند القارئ؛ فأبرز صوت دقات قلب العجوز التي خاف القاتل أن ترتفع لتصل إلى الجيران، لحقه مشهد القتل بالمرتبة ثم جاء جرس الكنيسة ليُعلن عن قدوم ميعاد معاقبته على فعلته، ليشي قلبه بفعلته بدقاته التي أربكته وفضحته أمام ضباط الشرطة.. وليعترف على نفسه بنفسه!
أراد اَلان بو أن يعبر عن الاضطرابات التي يعاني منها القاتل من خلال الأصوات التي كان يسمعها، ربما لأنه اُصيب بالحمى التي أضعفت حواسه، على نقيض ما يقوله القاتل إن الحمى جعلت حواسه أكثر حِدة ومكنته من سماع أشياء في الأرض والسماء وصولًا للجحيم، وربما كان لا يحب العجائز لأنهم أسائوا معاملته.
لم تكن قصة القلب الواشي وحدها تحمل في طياتها رموز غريبة لا يمكن تفسيرها، و لكن جاءت قصة قناع الموت الأحمر بغموض عقارب الساعة ودقاتها التي أربكت الجميع، وأعتنى بدقات الساعة التي تخفي خلفها الخوف والريبة من المجهول والترقب انتظارًا لما سيحدث في الساعات القادمة،  ليؤكد اَلان بو على أن الموت يأتكم حتى لو في قصور مشيدة كما قال الله في آياته؛ فقد تخيل الملك بروسبيرو أن الطاعون لن يصيبه إذا احتمى في كنيسته بعيدًا عن الشعب، ولكن سرعان ما نالت العزلة من عزيمته ليعلن عن حفل تنكري استطاع الطاعون التنكر والقضاء على الملك، ليتحول من حفل راقص إلى حفل الوداع الأخير .
تفنن إدغار اَلان بو بتصوير الموت في أبشع صورة، فجاء له الموت مباغتًا ليترك الكُتاب يتفننون في سرد أسباب موته ما بين مرض السكر والسكتة الدماغية أو إدمانه على الكحول، ليرحل عن عالمنا وقد ترك لنا الغموض عنوانًا لقصصه ووفاته.



النمط القوطي في قصص (القلب الواشي) و(قناع الموت الأحمر) تاليف علاء سعد حسن الدمراني


     النمط القوطي، هو نوع من الكتابة القصصية انتشر في إنجلترا في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وكلمة «قوطي» تشير للطراز المعماري للقلاع والقصور المرعبة التي تدور فيها أحداث قصص هذا النمط. وكانت إيطاليا أو أسبانيا مسرحًا لمعظمها، لأن تلك البلاد كانت تبدو بعيدة وغامضة للإنجليز مما يستثير الخيال. وهناك خصائص مرتبطة بهذا النمط، منها: الإطار القرو سطي (المرتبط بالقرون الوسطى)، والأحداث الغامضة، والعناصر الخارقة، والهويات المجهولة.
    وينظر لهذا النمط، على أنه رد فعل على قمع العواطف والعقلانية والمنطق الخاصين بذلك الوقت. وهو يُصنف أساسًا كفرع من الأدب الرومانسي. وهذه حقيقة ُتثير العجب؛ لأن جانب الرومانسية فيه أقل لفتًا للانتباه من أجواء الرعب والموت والغموض والدم.  
    وقد كان لهذا النمط تأثير على الُكتاب الأمريكيين؛ وتمثل ذلك -بدرجة كبيرة- في أعمال الكاتب "إدغار ألان بو"، وبخاصة في قصتي (القلب الواشي) و(قناع الموت الأحمر)، وذلك في النقاط التالية:
أولا: عند تحديد أماكن الأحداث: وهذا يسهم في تجسيد جو الحيرة والغموض والقلق المرتبط بجرائم القتل وأرواح الموتى التي تتبدى لأبطال القصص. فمكان الأحداث في قصة (القلب الواشي) هو غرفة كئيبة بمنزل غامض، وفى قصة (قناع الموت الأحمر) هو دير قديم يشبه قلعة من العصور الوسطى. وفي داخل هذه الأماكن يوجد الشموع والنوافذ والستائر والتماثيل وغيرها من الأشياء التي يمتزج فيها الجمال مع الإحساس بالوحدة والقتامة والخوف والموت.
ثانيا: عند تحديد أزمان الأحداث: فنجد ما يمكن أن نطلق عليه «التصادم الزمنى». فمثلما أن الأماكن غالبًا ما تكون سرية أو معتمة؛ نجد أن خصائص الأزمان تكون مشابهة لذلك أيضا. فتقع الأحداث عادة في أوقات انتقال زمني بين فترتين أو تجمع بين فترتين مختلفتين كليا.
ثالثا: عند وصف الأحداث: فهي في القصتين تتميز بأجواء الرعب والغموض، وبعنصر التشويق الذي يهيمن عليها. فقصة (القلب الواشي)، يحكها راوي يصف جريمة قتله لرجل عجوز. ويتمثل الاضطراب النفسي لديه في تركيزه على عيني العجوز التي كرهها، وكانت الباعث على قتله. ويخفي القاتل الجثة -بعد تقطيعها- تحت ألواح الأرضية. وفي النهاية، يتجلى إحساس القاتل بالذنب في شكل هلوسة حيث يسمع صوت قلب الرجل العجوز وهو يدق بأسفل الغرفة. أما قصة (قناع الموت الأحمر)، فهي تروى اكتساح وباء الموت الأحمر للبلاد التي يرأسها الأمير "بروسبيرو". والذي يحاول أن ينجو بنفسه وحاشيته -الذين لم يصابوا بالوباء- باللجوء إلى دير محصن. وفي الحفلة التنكرية التي يقيمها الأمير للترفيه، يظهر رجل مقنع ملفع بكفن أبيض وملطخ ببقع من الدماء. وما هذا الرجل إلا الموت الأحمر -الوباء- الذي هرب منه الأمير ورجاله.
رابعا: عند رسم الشخصيات: وهي غالبًا ما تكون غامضة أو مشؤومة أو تعاني من صراع نفسي وستصاب بالجنون شيئًا فشيئًا. وفي قصة (القلب الواشي)، لم يوضح الكاتب "إدغار ألان بو" العلاقة بين العجوز وقاتله. وينفي القاتل وجود أي مشاعر لكراهية العجوز، وينفي أيضا أنه قتله بدافع الجشع. وقد قيل إن الرجل العجوز قد يكون مالك بيت الراوي، أو أن الأخير يعمل كخادمه، وأن عين النسر تمثل سرًا خفيًا أو قوة. أما في قصة (قناع الموت الأحمر)، فنرى محاولات الأمير "بروسبيرو" تجنب وباء خطير عن طريق الاختباء في الدير ثم يقيم حفلة تنكرية مع عدة نبلاء آخرين ضمن سبع غرف من الدير، كل منها مزينة بلون مختلف. وفي خضم الاحتفالات، تأتي شخصية غامضة في زي تنكري وتشق طريقها نحو كل الغرف. ويموت الأمير بعد مواجهة هذا الغريب، وبعدها يموت الضيوف بدورهم واحدا تلو الأخر أيضًا.

القسوة محرك الابداع تأليف زياد محمد معوض



القلب الواشي:
مع السطور الأولى لهذه القصة، تذكرت تلقائيًا بطل رواية " الجريمة والعقاب للكاتب العظيم " دوستيفيسكي" فقد حازت تلك الرواية في نفسي أثرًا عميقًا لا يمكن إخفاؤه في منهجيتي الفكرية، والتشابه بين بطل هذه القصة و " راسكولنيكوف " بطل الجريمة والعقاب،  هو روح الجريمة بلا أدني سبب منطقي يمكنه أن يُعرض والصراع الدائم بين الخير والشر، الجريمة والرهبانية، المجرم والمصلح، تلك المشاعر التي تختلط في نفس البطل، ثم يسير دون فكرة أساسية، كالسرقة مثلًا، أو الأخذ بالثأر، بل كان السبب هو عينا الرجل الزرقاء التي تجعل بطلنا يُصاب بالرعشة والتجمد – أي يقال الخوف – فلا يُعد سببًا منطقيًا للقتل .
إن التفسير – في رأي – لهذه الجرائم التي تحدث دون دافع مادي من الجريمة أو المجني عليه. هو عبارة عن اختلاط شعوري عنيف يزول تأثيره عند الوصول لذروة الشيء أو أقصى ما يمكن في ذلك الشعور، ويكون الدفاع العقلي هنا ضعيفًا، فلا يستطيع أن يكبح جماح هذا الشعور، كالشعور بالحب مثلًا، يهب فجأة غارات من المشاعر نحو شخص ما، وتشعر بإلحاح داخلي شديد للتواصل مع هذا الشخص، دون معرفة سبب الاختيار النابع من الداخل لهذا الشخص، رغم وجود الكثير في هذا العالم والذي لم يتميز عن هذا الشخص في شيء البتة! وسرعان ما تجد – في بعض الأحيان بالتأكيد – أن هذا الشعور يبدأ في التلاشي أو الانخفاض تدريجيًا، ليس كأول مقابلة مثلاً.. ويحدث ذلك نتيجة لبلوغ ذروة تلك المشاعر وتحقيق بعض ما رمت إليه من البداية، كالزواج مثلًا، أو الكثير من المقابلات الفردية.
وعلينا الآن أن نتفق في أن الدافع شعوري كامل، لا يبرز شيء عن مفاصل الشخصية، فلم تكن الشخصية إجرامية هنا أو محبة للجريمة بل حالة استثنائية، ولكن هناك رد فعل شعوري مماثلًا تمامًا للذي نراه في طبيعة الأجسام، وهو " الضمير " وقد نثبت وجود الضمير الحي في البطل في نهاية القصة حين أعترف في النهاية بقتله للرجل العجوز، رغم حدوث شيئان:
الشيء الأول: ذكر البطل كثيرًا لبراعته وفطنته في تنفيذ الجريمة والتي تمت في غصون ثمانية أيام على وجه الدقة، ومع ذلك، رحمته الشديدة بالعجوز فكان لا يحدث صوتًا، لأنه لا يريد أن يزعجه، لا خوف من كشف العجوز لنواياه.
الشيء الثاني: أنه أحزر بعض من الاطمئنان في قلوب الضباط مما يعطيه بعض الشعور بالراحة والفخر أيضًا بفطنته لتنفيذ الجريمة دون أي أثر.
ولكن ما رأيناه عكس ذلك، فقد بدأت صيحات الضمير تخرج من خبائها المندثر في الأعماق وتعلو أصواتها حتى أصبحت أشبه بالأهازيج الذي لا يقدر على مقاومتها ولا يستطيع التحلي بالمزيد من الصبر، فيقوده للاعتراف غير مباليًا بالنتائج التي تلحق باعترافه، قائلًا عبارة توقفت عندها كثيرًا وهي:

" لقد كان أي شيء أرحم من هذا العذاب! يمكنني تحمل أي شيء ولا هذه السخرية "

أري أن الكاتب هنا كان لبقًا جدًا ومحوريًا في سرده، فانتزع القراء من روح الجريمة حتى يأتي بهذه الجملة والذي يوضح فيها مدى تأثير سخرية الآخرين،  في إتخاذ الأفعال السريعة دون تفكير مطلقًا , وهذا ليس مجرد سبب قوي يدعو إلي الاعتراف، بل نحن هنا نشير إلي جريمة تمتعت بيقظة الضمير وفناء المشاعر الإجرامية بعد بلوغ ذروتها النهائية، فإن كانت القضية تشير إلي هدف مادي أو ذريعة إجرامية , لكان الأمر مختلفًا، ولا سيما هذا الأمر متعلقًا بالجرائم فقط , فتأثير السخرية تأثير بليغ في كل موضوعات الحياة , فهو يجعلك بسهولة تكره شخص , أو تتولد لديك رغبة عنيفة بالانتقام ويكون سبب الانتقام " سخر مني " ألا يبدو الأمر مثيرًا للسخرية أيضًا!

أقرت معظم الأبحاث عن الجريمة، بأنه يصعب وجود ما يُعرف بالجريمة الكاملة ربما يستحيل، ولكن هنا قد تمت بالفعل الجريمة الكاملة التي مُحيت أثارها وكان من العسير جدًا أن تجد الشرطة أثار تلك الجريمة والعثور على الجاني الحقيقي، كما حدث مع بطل رواية الجريمة والعقاب، ولكن الاهتزاز الداخلي الذي ينتج عن صحوة الضمير هو ما يجعل تصرفات الجناة مثيرة للشك، رغم تعسر وجود الأدلة. وهنا نلتمس فرقًا آخر بين الجاني الذي ينفذ جريمته لهدف مادي، وجان أخر نمت داخله مشاعر الجريمة , والفارق هو الغرض، أو المعني الأدق ..الدافع الحقيقي، النوع الأول مُصوب نحو الشيء المادي الذي يريده،  يخشي انتباه صاحب ذلك الشيء، ويرتجف أحيانًا بشدة خوفًا من إفساد خطته،  فأحيانًا يترك أثرًا، ولكنه حقق ما كان ينشده وهو الشيء المادي الذي بين يديه، أما النوع الأخر فالمحرك الأساسي له هو الرغبة القوية في فعل الشيء والإصرار القوي، هناك شيء خفي يدفعك للأمام دائمًا دون هدف، فغالبًا ما لا تجد لديه الخوف من الإفساد فلا شيء أمامه ليخسره، ولكنه الحذر حتى تتم الجريمة بطريقة بشعة لترضي الإصرار لذلك المحكم الحقيقي في هذه المسألة الغرض الأساسي، فهو المولد للعبقرية ..وليس خبرة الجاني.  

أري بعض الأشياء التي أصابتني بالضجر أثناء قراءة القصة وهي تكرار ذكر الكاتب لتصوير عقارب الساعة ثلاث مرات، في ثلاثة مواقف مختلفة. الموقف الأول حين دخل الجاني في الليلة الثامنة لينفذ جريمته فوصف بطيء حركته قائلًا بأنها أبطأ من عقارب ساعته، والموقف الثاني حين كان يقف أمام العجوز وجه لوجه في الظلام الحالك، شبه دقات قلبه بعقارب الساعة دلالة على سرعتها، والموقف الثالث خلال صراعه الداخلي حين وجود الشرطة ذكر نفس التشبيه ولكن على دقات قلبه هنا، لم أحب تكرار نفس التصوير في أكثر من موضع، كان من الممكن التنوع في التصوير بدلًا من ذكره مرات متعددة.  

وفي النهاية كانت قصة برغم صغر حجمها إلا أنها تحمل جذورًا عميقة من الشعور وتطرقنا إلى التفكير في كثير من الأمور، جذابة لحد جيد ولكنها لا ترقى إلى الممتاز، ولكنها في المجمل، كُتبت بطريقة يُحسد عليها كاتبها. 

******


قناع الموت الأحمر:
السور الفاصل بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، التكبر...تلك الذريعة النفسية التي تقنط داخل المرء فيصبح أمر التفرقة العنصرية واجبًا مقدسًا، الحماية المتكلفة دون معالجة الوباء، وهذا ما فعله أميرنا " بروسبيرو " حين انتشر وباء الطاعون " الموت الأحمر "
قصة بها الكثير من الانطباعات المختلفة، وجميعها لا يحمل جزءًا من الخطأ، في البداية يمر الكاتب بأداة تصويره، ليظهر الفرق الشاسع بين طبقتين من طبقات المجتمع: الطبقة الحاكمة، والطبقة المحكومة. مبينًا وصفًا لحالة من الحالات التي تبرز هذا الفرق وهو المرض، في البداية تجد الاندهاش من تسمية الكاتب للمرض بالموت الأحمر! أكان عليه أن يكتب الطاعون .... ولكن هذا ما تبينه باقي سطور القصة.
ثم تنجذب مرة أخرى في أسلوب الكاتب الشيق لوصف الدير وحجراته التي صُممت بطريقة على غير العادة والزخارف الغريبة التي صممها هذا الأمير والذي يصفه الكاتب بوصف " الشاذ " فتنفصل تمامًا عن فكرة الطبقية ثم تنغمس في تخيل شكل الدير والزخارف والحفلة وملابس وزينة الحاشية وكبار المدينة، لتجد أن الطابع بدأ يأخذ منطلقًا أخر بالتدريج.
تُقام الحفلة في الدير، ليأتي الكاتب إلي عقلك بشيء يدعو إلى الاندهاش والتفكير بعمق شديد، وهو أمر الساعة التي تعطي رنينًا مزعجًا بعد مرور ساعة، مما يجعل أجواء الحفلة تتوقف فجأة حتى ينتهي هذا الصوت، ويثير داخلك الكثير من الأسئلة حول هذا الأمر، لتنسي الطابع الأول، وطابع الحياة الملكية وتفكر في أمر هذه الساعة وتنتظر ما ترمي إليه.
ثم تأتي الثانية عشرة ويظهر شبحًا ليعتقد الجميع بأنه شخص به داء الموت الأحمر فيصاب الجميع بالفزع ويحدث بينه وبين الأمير شجارًا عنيفًا ينتهي بموت الأمير، ويُمسك به الجميع ليروا أنه شيء طويل القامة وليس بشريًا من الأساس.
وهذا التفصيل الدقيق لأجزاء القصة ما هو إلا لتوضيح التغير السريع في الانطباعات ولغة التفكير، كما أنه يثير الكثير من التساؤلات أيضًا ...وهذه النقطة دليلًا جليًا على عبقرية الكاتب في وصف كثير من القضايا العميقة والتي تدعو للتفكير في قصة لا تتعدي العشر صفحات، ومن الجانب الأخر فإنه ترك مساحة شاسعة للقارئ لأن يتخيل ما يرمي إليه الكاتب، وكل قارئ يقتبس الهدف الذي يراه هو الذي مناسبًا.
أري أن منهجية الكتابة التي يرسمها الكاتب في قصصه هي البداية بالتلاعب الشعوري، ثم الانبهار للوصف الذي يصفه الكاتب، ثم إثارة التساؤلات ومحاولة البحث عن الإجابة، ثم إجابة مقتضبة لا تعطي للسؤال حقه الكافي ويفكر القارئ في الجزء الأخر من الإجابة، ويفعل ذلك بانسيابية شديدة دون خلق أو تداخل وهذا ما يجعل الأمر مثيرًا ورائعًا.
دائما ما يقال إن “الأدب مرآة العصر " وأنا أؤمن بهذه الجملة إيمانًا تامًا، بدون الأدب ما كنا لنعرف شيء عن العصر الجاهلي وأحداثه وصراعاته، ما كنا نعرف من هو " عنترة " ومن هي عبلة، والعصور الأخرى في كثير من الحضارات، ما كنا لنعرف شيئا عن عادتها وسماتها المجتمعية، إلا من خلال تجسيد صورة حية لهذا الزمان، وقد ظهرت هذه الصورة مع سطور الكاتب الأولى والتي تشير نحو الطبقية ثم الحفلة الفخمة، فالأمر هنا يدعو للتفكير والتعمق، أما الجزء الأخير، فأجد أنه شيء لا يمت لعصر الكاتب بصلة
ويمكننا أن نقول أيضًا إن " الكاتب مرآة نفسه " فلشخصية الكاتب تأثيرًا كبيرًا في كتاباته، ولا أبالغ حين أقول إن منشأ كاتب جيد يبدأ من حوارات وذبذبات داخل النفس البشرية تنتج عن إما تجارب حياتية سابقة أثارت نفسه، وإما محرك الموهبة الذي يخلق شعورًا جديدًا يجعل صاحبه ينطلق بإبداع لا يتوقف. وعند التركيز في الأمور المشتركة بين هاتين القصتين نجد أن الكاتب به روح من القسوة أو النهايات المظلمة في كتابته، وتفسيرها كالآتي:
تيتم " إدغار آلان بو " في السنة الثانية بعد ميلاده ثم كفلته عائلة أخرى , وأهتم هذا الوالد الجديد بتعليمه - - والذي بالمناسبة هو الرجل الذي يحمل اسمه الآن – و حتى حدثت الكثير من الاضطرابات بينه وبين والده خصوصًا بعد عكوفه على الخمر فهاجر إلي بوسطن , وحدثت الكثير من التقلبات الحياتية – دون الخوض في تفاصيل ما - مما جعلت الحياة أمرًا شاقًا وعسيرًا على هذا الرجل فالنتيجة المتوقعة هي نمو شيء من المقت من جانب هذا الرجل إلي الحياة والنظر لمعظم الأمور بنظرة سوداوية وانعكاس تلك الصور لتصورها الأقلام، وقد ظهر هذا جليًا في قصتيه " قناع الموت الأحمر  " القلب الواشي "
وفي النهاية نحن أمام كاتب عبقري أدرك قيمة كل شيء يضعه في قصصه، ليس بالسهل أن نعرف ما يريد أن يقوله في كتاباته، وليس بالعسير أن نجد اللذة والمتعة في كل ما يكتبه.

بين قصتي «قناع الموت الأحمر» و«القلب الواشي».. كيف يتحكم الضمير في مصائرنا؟ تأليف فهد عبدالرحيم أبو عميرة




بأنك إذا حاولت الإبحار في النفوس البشرية ستجد ما يستدعي الدهشة ويثير العجب، فالحياة كفيلة بأن تتلاعب بالشخصيات وتُشكّلها كما يُشكل المرء الصَّلصال كما يهوى؛ ويترتب على كل ذلك اختلاف الدروب التي يسلكها البشر بتصرفاتهم وسلوكهم في المواقف الحياتية التي تواجههم، حتى وإن تشابهت هذه المواقف في ظاهرها.

ولذلك انشغل الكتّاب والرواة على مر العصور بمحاولة الكشف عن هذه الشخصيات وبيان مكامن أسرارها، ومن بين هؤلاء الكتّاب كان الكاتب الأمريكي «إدغار آلان بو» رائدًا في هذا المجال، وبرز ذلك في اهتمامه بالتركيز على الحالات النفسية المتباينة في شخصياته.

لمحة عن حياة الكاتب «إدغار آلان بو»..

في البداية ينبغي علينا أن نلقي نظرة سريعة على حياة هذا الكاتب.. وُلد «إدغار» في التاسع عشر يناير سنة الف وثمان مائة وتسع في ولاية بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان من أبرز كتّاب القرن الـتاسع عشر سواء في الشعر والقصص القصيرة والمقالات النقدية وغيرها، وكان ابنًا للممثلة الإنجليزية «إليزابيث أرنولد بو» وممثل من مدينة بالتيمور يُدعى «ديفيد بو»، وبعد وفاة والدته انتقل للعيش مع «جون آلان» وزوجته، والذي كان بمثابة أبًا روحيًا له تكفل برعايته خاصة وأنه لم يكن لديه أبناء، لكن مع زيادة الخسائر «إدغار» في لعب القمار توقف «جون آلان» عن الإنفاق عليه وقرر ألا يستمر في الدراسة الجامعية.

وبسبب الفقر قرر «إدغار» الانضمام إلى الجيش، وبعد فترة ساعده «جون آلان» مجددًا في إطلاق سراحه من الجيش، ومساعدته في الانضمام إلى الأكاديمية العسكرية الأمريكية في «ويست بوينت»، لكنه لم يلتزم بالتدريبات في الأكاديمية؛ مما استدعى طرده منها، وخلال كل هذه الأحداث كان يُصدر مجموعات من القصائد بين الحين والآخر، وبدأ في كتابة القصص القصيرة. 

مر «إدغار» في حياته بتجارب متنوعة يبدو أنها كانت عاملًا مساعدًا له في كتاباته فيما بعد، برزت ذلك في تنوع الشخصيات والمواقف التي تناولها في قصصه، وهنا سنقوم بمحاولة تناول قصتين قصيرتين من أعماله بالعين النقدية؛ لنصل في النهاية إلى دلالات ومعاني الرموز التي قدمها في العملين، وهما «قناع الموت الأحمر» و«القلب الواشي».

الأمير المغرور والشاب المجنون.. هل يستويان؟

كما وضحنا في بداية المقال أن هناك عدة عوامل تساهم في تشكيل الشخصيات، تتحكم في طرق تفكيرك وسلوكك في مختلف المواقف، وفي القصتين يبرز ذلك، فهذا الأمير «بروسبرو» المغرور بذكائه ومهارة عقله يتخلى عن شعبه حينما أنتشر بين أفراده وباء الطاعون، وبدلًا من أن يكون في صدارة مواجهي البلاء لكونه أمير البلاد كان أول الفارين، أكتفى بحاشيته وأصدقائه وذكاءه، وحاول الجمع بينهم في مكانًا واحدًا حصنه بكل ما يملك من إمكانيات، ربما ما جعله يتصرف بهذه الطريقة هو تغيير فكره من الحاشية التي تحيطه، والتي أتضح من خلال القصة أنها كانت دائمة الثناء عليه وعلى عقله، لكن هل كان قراره بالانعزال سببًا في راحته؟

لكننا قبل أن نشرع في الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نتناول الجوانب المختلفة لشخصية الأمير «بروسبرو»، فأما الجانب الجسماني للأمير فلم يذكره الكاتب بشكل واضح، لكننا يمكن أن نستنتجه من  بعض التعبيرات التي استخدمها، فيبدو أنه ذو صوت جهور، قوي البنيان بعض الشيء، وإذا تناولنا الجانب النفسي سنجد أنه كان يتصف بالفكر اللا تقليدي، يحب الإبداع، مغرورًا يظن أن لا أحد يستطيع قهر أفكاره، أما الجانب الاجتماعي فهو يحصر نفسه بين مجموعة من الأشخاص وهم حاشية قصره، ويتكبر عن من سواهم، يحب حياة الترف واللهو والحفلات المليئة بالخمر والمغنيين وملذات المتعة بمختلف أشكالها.

 أما إذا انتقلنا لقصة القلب الواشي فسنجد أن بطلها الشاب «المجنون» قد يتشابه مع الأمير في قصة قناع الموت الأحمر في أشياء ويختلف في أخرى، لكن كان يوجد بينهما فرق جوهري هو الذي يحدد مكانة ابن آدم في الحياة، وهو الذي يحدد مصيره وأفعاله، وقبل أن نوضح هذا الفرق يجب في البداية أن نستعرض الجوانب الشخصية لهذا الشاب، أما الجانب الجسماني فيبدو أن كان نحيف بعض الشيء وبرز ذلك أثناء وصفه لطريقة دخوله غرفة الشيخ العجوز في الليالي السبعة التي كان يراقبه فيهن، هزيل هزمه المرض، لكنه قويٌ في حاسة السمع خصوصًا.

وفي الجانب النفسي لشخصية الشاب فيبدو أن أكثر ما يميزه أنه جيد التخطيط وحذر للغاية في تنفيذ ما يُمليه عليه عقله، ودقيق للغاية في تنفيذ خطته بداخله صراع حاد بين حبه للشيخ الذي قتله فيما بعد وبين سخطه وخوفه من عين العُقاب التي كانت السبب الأبرز الذي دفعه لقتل الشيخ، برز هذا الصراع النفسي الداخلي في توضيحه بأنه كان يشعر بالشفقة وهو يسمع أنفاس الشيخ المكتومة ودقات قلبه، وفي نفس الوقت كان يشعر في داخله بسعادة ربما لأنه أقترب من القضاء على عين العُقاب التي كانت تخيف، كما أنه كان حسن التصرف في المواقف المفاجئة، وبرز ذلك في حسن تصرفه عندما جاءه الضباط الثلاث فلم يتوتر لكنه تعامل معهم بشكل طبيعي.

أما الجانب الاجتماعي فلم يسلط عليه الكاتب الضوء بشكل كبير، لكنه يبدو أنه كان شخص اجتماعي لدرجة كبيرة وأتضح ذلك في ذكر أنه كان يزور الشيخ يوميًا ويناديه باسمه، مما يبين أنه كان هناك درجة من الود المحمود بينه وبين الشيخ.

من خلال استعراضنا لجوانب شخصية الأمير وشخصية الشاب المجنون نجد أن كليهما يتميزان بأنهما أذكياء لدرجة كبيرة حاولا التخلص مما يبغضونه ويهابونه بأفكاره ماكرة، أما الأمير فكان يهاب اختراق المرض حواجز قصره العظيم، وهذا الشاب كان يهاب النظر في عين الشيخ رغم أنه كان يحبه، الضحيتان تشابها أيضًا في أنهما قُتلا دون ذنب، فالشعب لم يبحث عن مرض الطاعون، وهذا الشيخ لم يتحكم في شكل عينه، لكن القاتلان لم يعبأ أحدهما بكل هذا وكل ما كان يهمه هو تحقيق ما تبتغيه نفسه ليرضيها، لكن بين الأمير والشاب فرقًا جوهريًا أثر في مسار القصتين.. تُرى ما هو؟

إذا أردت معرفة خواتيم الأشخاص فتّش عن ضمائرهم..

كما أوضحنا أعلاه، فالضمير هو الذي يحدد مصير ابن آدم في الحياة، وهو الذي يقود الشخص للتصرف بطرق محددة في مختلف المواقف، لكن هذا الضمير لا تتحكم فيه النفس البشرية فحسب، هناك عوامل عدة تكونه وتشكله وتغير فيه، أبرز هذه العوامل هو البيئة المحيطة بالشخص، فالأمير كان مُحاطًا بحاشية تراه الحكيم الأعظم الذي لا يخطأ، صاحب العقل الذي لا ينتج إلا أفكارًا لا مثيل لها، هذه الحاشية كانت السبب الأبرز في القضاء على ما تبقى من ضمير الأمير، فلو كانوا صالحين لردوه عما قرر أن يفعل، واقترحوا عليه حل أخر للقضاء على المرض بدلًا من موافقته في قرار الانعزال عن شعبه.

أما الشاب فبرغم جريمته إلا أنه يبدو أن ضميره كان لا يزال حيًا بعض الشيء، فلم يستطع الاستمرار في إخفاء جريمته طويلًا، رغم أن أحدًا من الضباط لم يكتشف جريمته، وبالرغم من دقته في إزالة كل الأدلة التي تفضح جريمته، لكن ضميره أبى أن يرحمه حتى أعترف بجريمته كاملة، هذا هو الفرق بين الشخص المجرم والشخص الذي يُخطأ مرة عابرة ـــ حتى لو تشابه فعل الأثنين، أما الأول فقد فقد ذلك الواعظ الداخلي الذي يحجمه عن التمادي في الجرائم؛ فأصبح يقترفها دون أدنى إحساس بذنب، أما الذي أخطأ بسبب ظروف ما فيظل ضميره غير مستكين لفعلته، ولا يغضب إذا نال جزاءه، الجميع قد يخطأ، كلنا قد نقترف ذنوب دون قصد، كل بني آدم خطاء، لكن تبقى ضمائرنا هي التي تحدد من منا مجرم ومن منا مجرد مذنب قد يتوب عن فعلته.

رموز الأحداث في القصتين.. 

تظهر براعة الأدباء في قدراتهم على وضع رموز لما يريدون التعبير عنه، ومن براعة استخدام الرموز أن تكون واضحة للقارئ، ولا يبذل جهدًا كبيرًا في محاولة فك هذه الرموز وكأنها رموز حجر رشيد، ينبغي أن تكون بسيطة فالأعمال الأدبية لن تحقق أغراضها إلا إذا لامست قلوب جماهيرها.

وقد برع «إدغار» في استخدام هذه الرموز، فنجد أنه على سبيل المثال أنه في قصة قناع الموت الأحمر، كان هناك سبع غرف بالقصر أخرهم غرفة كان بطلاها لونان وهما الأحمر والأسود، أما الأحمر الذي كان ضوءًا ينفذ من النوافذ فكان تعبير عن الموت الذي يخترق الحواجز دون إذن مسبق، ويصعب عليك إيقافه، والأسود الذي كان بساطًا على أرض الغرفة هو الطريق الذي سار فيه الأمير وسيسير فيه حتى اللحظة الحاسمة لحظة وفاته. 
وكذلك الساعة الضخمة التي كانت تصدر دقاتها العالية التي كانت على رأس كل ساعة فيصمت الجميع من مهابتها، فكانت هذه الساعة هي الضمير الذي يصدر صوته من الغرفة السابعة التي ترمز للطريق الأسود والموت، كأن الضمير ـــ الساعة ـــ يحاول تنبيه الحضور في الحفل بالقصر على رأس كل ساعة أن أفيقوا من غفلتكم إنكم تقتلون الشعب وترقصون وتتناسون مرضهم، فكانوا كلما يتوقفون عن الاحتفال بسبب دقات الساعة سرعان ما يغفل ضميرهم مجددًا ويكملون رقصهم وغناءهم.

أما في قصة القلب الواشي فالضمير أيضًا كان ذلك الصوت الذي يسمعه الشاب وكلما حاول السهو عنه ازداد الصوت ارتفاعًا، حتى ظن أن جميع من حوله يسمعون نفس الصوت، رغم أنه لم يكن إلا في خيال وأذن هذا الشاب، وهذا يرمز ويدل على أن ضمير الشاب كان حيًا لم يمت، لم يتأثر بكون أن هذا الشخص قتل مرة، كان لا يزال إنسانًا ولم يتحول إلى جماد، لا يشعر، لا يحزن، لا يتألم.

حتى وإن كانت نهاية الأمير والشاب واحدة، فالأمير لقي مصرعه حينما واجه ذنبه الذي تجسد في هيكل عظمي لشخص مات بالطاعون متخفي في رداء وقناع مخيف، والشاب مصيره الإعدام بتهمة القتل، لكن الأمير مات هو وضميره ـــ وإن كان ضميره سبق جسده في الوفاة، لكن الشاب مات هو، وبقي ضميره حيًا، مات بإرادته لأنه شعر بأن ذلك ما يستحقه كنتيجة لفعلته، مات حتى لا يكون مجرم يألف القتل.

في النهاية.. ما يُحدد مصائر الأشخاص هو ذلك الذي يسكن بين ضلوعهم وجوانبهم، هو الذي يحكم ويتحكم في حياتهم وضروب تصرفاتهم في مختلف المواقف، هو الضمير البشري، الذي قد يقودك إلى ذلك الطريق الذي حينما تصل إلى نهايته يتذكرك الناس والتاريخ بكل خير، أو إلى هذا الطريق الذي يكون نهايته أن يشكر العباد ربهم؛ لأنه أذن بقبض روحهم.