Sunday, September 30, 2018

بين قصتي «قناع الموت الأحمر» و«القلب الواشي».. كيف يتحكم الضمير في مصائرنا؟ تأليف فهد عبدالرحيم أبو عميرة




بأنك إذا حاولت الإبحار في النفوس البشرية ستجد ما يستدعي الدهشة ويثير العجب، فالحياة كفيلة بأن تتلاعب بالشخصيات وتُشكّلها كما يُشكل المرء الصَّلصال كما يهوى؛ ويترتب على كل ذلك اختلاف الدروب التي يسلكها البشر بتصرفاتهم وسلوكهم في المواقف الحياتية التي تواجههم، حتى وإن تشابهت هذه المواقف في ظاهرها.

ولذلك انشغل الكتّاب والرواة على مر العصور بمحاولة الكشف عن هذه الشخصيات وبيان مكامن أسرارها، ومن بين هؤلاء الكتّاب كان الكاتب الأمريكي «إدغار آلان بو» رائدًا في هذا المجال، وبرز ذلك في اهتمامه بالتركيز على الحالات النفسية المتباينة في شخصياته.

لمحة عن حياة الكاتب «إدغار آلان بو»..

في البداية ينبغي علينا أن نلقي نظرة سريعة على حياة هذا الكاتب.. وُلد «إدغار» في التاسع عشر يناير سنة الف وثمان مائة وتسع في ولاية بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان من أبرز كتّاب القرن الـتاسع عشر سواء في الشعر والقصص القصيرة والمقالات النقدية وغيرها، وكان ابنًا للممثلة الإنجليزية «إليزابيث أرنولد بو» وممثل من مدينة بالتيمور يُدعى «ديفيد بو»، وبعد وفاة والدته انتقل للعيش مع «جون آلان» وزوجته، والذي كان بمثابة أبًا روحيًا له تكفل برعايته خاصة وأنه لم يكن لديه أبناء، لكن مع زيادة الخسائر «إدغار» في لعب القمار توقف «جون آلان» عن الإنفاق عليه وقرر ألا يستمر في الدراسة الجامعية.

وبسبب الفقر قرر «إدغار» الانضمام إلى الجيش، وبعد فترة ساعده «جون آلان» مجددًا في إطلاق سراحه من الجيش، ومساعدته في الانضمام إلى الأكاديمية العسكرية الأمريكية في «ويست بوينت»، لكنه لم يلتزم بالتدريبات في الأكاديمية؛ مما استدعى طرده منها، وخلال كل هذه الأحداث كان يُصدر مجموعات من القصائد بين الحين والآخر، وبدأ في كتابة القصص القصيرة. 

مر «إدغار» في حياته بتجارب متنوعة يبدو أنها كانت عاملًا مساعدًا له في كتاباته فيما بعد، برزت ذلك في تنوع الشخصيات والمواقف التي تناولها في قصصه، وهنا سنقوم بمحاولة تناول قصتين قصيرتين من أعماله بالعين النقدية؛ لنصل في النهاية إلى دلالات ومعاني الرموز التي قدمها في العملين، وهما «قناع الموت الأحمر» و«القلب الواشي».

الأمير المغرور والشاب المجنون.. هل يستويان؟

كما وضحنا في بداية المقال أن هناك عدة عوامل تساهم في تشكيل الشخصيات، تتحكم في طرق تفكيرك وسلوكك في مختلف المواقف، وفي القصتين يبرز ذلك، فهذا الأمير «بروسبرو» المغرور بذكائه ومهارة عقله يتخلى عن شعبه حينما أنتشر بين أفراده وباء الطاعون، وبدلًا من أن يكون في صدارة مواجهي البلاء لكونه أمير البلاد كان أول الفارين، أكتفى بحاشيته وأصدقائه وذكاءه، وحاول الجمع بينهم في مكانًا واحدًا حصنه بكل ما يملك من إمكانيات، ربما ما جعله يتصرف بهذه الطريقة هو تغيير فكره من الحاشية التي تحيطه، والتي أتضح من خلال القصة أنها كانت دائمة الثناء عليه وعلى عقله، لكن هل كان قراره بالانعزال سببًا في راحته؟

لكننا قبل أن نشرع في الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نتناول الجوانب المختلفة لشخصية الأمير «بروسبرو»، فأما الجانب الجسماني للأمير فلم يذكره الكاتب بشكل واضح، لكننا يمكن أن نستنتجه من  بعض التعبيرات التي استخدمها، فيبدو أنه ذو صوت جهور، قوي البنيان بعض الشيء، وإذا تناولنا الجانب النفسي سنجد أنه كان يتصف بالفكر اللا تقليدي، يحب الإبداع، مغرورًا يظن أن لا أحد يستطيع قهر أفكاره، أما الجانب الاجتماعي فهو يحصر نفسه بين مجموعة من الأشخاص وهم حاشية قصره، ويتكبر عن من سواهم، يحب حياة الترف واللهو والحفلات المليئة بالخمر والمغنيين وملذات المتعة بمختلف أشكالها.

 أما إذا انتقلنا لقصة القلب الواشي فسنجد أن بطلها الشاب «المجنون» قد يتشابه مع الأمير في قصة قناع الموت الأحمر في أشياء ويختلف في أخرى، لكن كان يوجد بينهما فرق جوهري هو الذي يحدد مكانة ابن آدم في الحياة، وهو الذي يحدد مصيره وأفعاله، وقبل أن نوضح هذا الفرق يجب في البداية أن نستعرض الجوانب الشخصية لهذا الشاب، أما الجانب الجسماني فيبدو أن كان نحيف بعض الشيء وبرز ذلك أثناء وصفه لطريقة دخوله غرفة الشيخ العجوز في الليالي السبعة التي كان يراقبه فيهن، هزيل هزمه المرض، لكنه قويٌ في حاسة السمع خصوصًا.

وفي الجانب النفسي لشخصية الشاب فيبدو أن أكثر ما يميزه أنه جيد التخطيط وحذر للغاية في تنفيذ ما يُمليه عليه عقله، ودقيق للغاية في تنفيذ خطته بداخله صراع حاد بين حبه للشيخ الذي قتله فيما بعد وبين سخطه وخوفه من عين العُقاب التي كانت السبب الأبرز الذي دفعه لقتل الشيخ، برز هذا الصراع النفسي الداخلي في توضيحه بأنه كان يشعر بالشفقة وهو يسمع أنفاس الشيخ المكتومة ودقات قلبه، وفي نفس الوقت كان يشعر في داخله بسعادة ربما لأنه أقترب من القضاء على عين العُقاب التي كانت تخيف، كما أنه كان حسن التصرف في المواقف المفاجئة، وبرز ذلك في حسن تصرفه عندما جاءه الضباط الثلاث فلم يتوتر لكنه تعامل معهم بشكل طبيعي.

أما الجانب الاجتماعي فلم يسلط عليه الكاتب الضوء بشكل كبير، لكنه يبدو أنه كان شخص اجتماعي لدرجة كبيرة وأتضح ذلك في ذكر أنه كان يزور الشيخ يوميًا ويناديه باسمه، مما يبين أنه كان هناك درجة من الود المحمود بينه وبين الشيخ.

من خلال استعراضنا لجوانب شخصية الأمير وشخصية الشاب المجنون نجد أن كليهما يتميزان بأنهما أذكياء لدرجة كبيرة حاولا التخلص مما يبغضونه ويهابونه بأفكاره ماكرة، أما الأمير فكان يهاب اختراق المرض حواجز قصره العظيم، وهذا الشاب كان يهاب النظر في عين الشيخ رغم أنه كان يحبه، الضحيتان تشابها أيضًا في أنهما قُتلا دون ذنب، فالشعب لم يبحث عن مرض الطاعون، وهذا الشيخ لم يتحكم في شكل عينه، لكن القاتلان لم يعبأ أحدهما بكل هذا وكل ما كان يهمه هو تحقيق ما تبتغيه نفسه ليرضيها، لكن بين الأمير والشاب فرقًا جوهريًا أثر في مسار القصتين.. تُرى ما هو؟

إذا أردت معرفة خواتيم الأشخاص فتّش عن ضمائرهم..

كما أوضحنا أعلاه، فالضمير هو الذي يحدد مصير ابن آدم في الحياة، وهو الذي يقود الشخص للتصرف بطرق محددة في مختلف المواقف، لكن هذا الضمير لا تتحكم فيه النفس البشرية فحسب، هناك عوامل عدة تكونه وتشكله وتغير فيه، أبرز هذه العوامل هو البيئة المحيطة بالشخص، فالأمير كان مُحاطًا بحاشية تراه الحكيم الأعظم الذي لا يخطأ، صاحب العقل الذي لا ينتج إلا أفكارًا لا مثيل لها، هذه الحاشية كانت السبب الأبرز في القضاء على ما تبقى من ضمير الأمير، فلو كانوا صالحين لردوه عما قرر أن يفعل، واقترحوا عليه حل أخر للقضاء على المرض بدلًا من موافقته في قرار الانعزال عن شعبه.

أما الشاب فبرغم جريمته إلا أنه يبدو أن ضميره كان لا يزال حيًا بعض الشيء، فلم يستطع الاستمرار في إخفاء جريمته طويلًا، رغم أن أحدًا من الضباط لم يكتشف جريمته، وبالرغم من دقته في إزالة كل الأدلة التي تفضح جريمته، لكن ضميره أبى أن يرحمه حتى أعترف بجريمته كاملة، هذا هو الفرق بين الشخص المجرم والشخص الذي يُخطأ مرة عابرة ـــ حتى لو تشابه فعل الأثنين، أما الأول فقد فقد ذلك الواعظ الداخلي الذي يحجمه عن التمادي في الجرائم؛ فأصبح يقترفها دون أدنى إحساس بذنب، أما الذي أخطأ بسبب ظروف ما فيظل ضميره غير مستكين لفعلته، ولا يغضب إذا نال جزاءه، الجميع قد يخطأ، كلنا قد نقترف ذنوب دون قصد، كل بني آدم خطاء، لكن تبقى ضمائرنا هي التي تحدد من منا مجرم ومن منا مجرد مذنب قد يتوب عن فعلته.

رموز الأحداث في القصتين.. 

تظهر براعة الأدباء في قدراتهم على وضع رموز لما يريدون التعبير عنه، ومن براعة استخدام الرموز أن تكون واضحة للقارئ، ولا يبذل جهدًا كبيرًا في محاولة فك هذه الرموز وكأنها رموز حجر رشيد، ينبغي أن تكون بسيطة فالأعمال الأدبية لن تحقق أغراضها إلا إذا لامست قلوب جماهيرها.

وقد برع «إدغار» في استخدام هذه الرموز، فنجد أنه على سبيل المثال أنه في قصة قناع الموت الأحمر، كان هناك سبع غرف بالقصر أخرهم غرفة كان بطلاها لونان وهما الأحمر والأسود، أما الأحمر الذي كان ضوءًا ينفذ من النوافذ فكان تعبير عن الموت الذي يخترق الحواجز دون إذن مسبق، ويصعب عليك إيقافه، والأسود الذي كان بساطًا على أرض الغرفة هو الطريق الذي سار فيه الأمير وسيسير فيه حتى اللحظة الحاسمة لحظة وفاته. 
وكذلك الساعة الضخمة التي كانت تصدر دقاتها العالية التي كانت على رأس كل ساعة فيصمت الجميع من مهابتها، فكانت هذه الساعة هي الضمير الذي يصدر صوته من الغرفة السابعة التي ترمز للطريق الأسود والموت، كأن الضمير ـــ الساعة ـــ يحاول تنبيه الحضور في الحفل بالقصر على رأس كل ساعة أن أفيقوا من غفلتكم إنكم تقتلون الشعب وترقصون وتتناسون مرضهم، فكانوا كلما يتوقفون عن الاحتفال بسبب دقات الساعة سرعان ما يغفل ضميرهم مجددًا ويكملون رقصهم وغناءهم.

أما في قصة القلب الواشي فالضمير أيضًا كان ذلك الصوت الذي يسمعه الشاب وكلما حاول السهو عنه ازداد الصوت ارتفاعًا، حتى ظن أن جميع من حوله يسمعون نفس الصوت، رغم أنه لم يكن إلا في خيال وأذن هذا الشاب، وهذا يرمز ويدل على أن ضمير الشاب كان حيًا لم يمت، لم يتأثر بكون أن هذا الشخص قتل مرة، كان لا يزال إنسانًا ولم يتحول إلى جماد، لا يشعر، لا يحزن، لا يتألم.

حتى وإن كانت نهاية الأمير والشاب واحدة، فالأمير لقي مصرعه حينما واجه ذنبه الذي تجسد في هيكل عظمي لشخص مات بالطاعون متخفي في رداء وقناع مخيف، والشاب مصيره الإعدام بتهمة القتل، لكن الأمير مات هو وضميره ـــ وإن كان ضميره سبق جسده في الوفاة، لكن الشاب مات هو، وبقي ضميره حيًا، مات بإرادته لأنه شعر بأن ذلك ما يستحقه كنتيجة لفعلته، مات حتى لا يكون مجرم يألف القتل.

في النهاية.. ما يُحدد مصائر الأشخاص هو ذلك الذي يسكن بين ضلوعهم وجوانبهم، هو الذي يحكم ويتحكم في حياتهم وضروب تصرفاتهم في مختلف المواقف، هو الضمير البشري، الذي قد يقودك إلى ذلك الطريق الذي حينما تصل إلى نهايته يتذكرك الناس والتاريخ بكل خير، أو إلى هذا الطريق الذي يكون نهايته أن يشكر العباد ربهم؛ لأنه أذن بقبض روحهم.



No comments:

Post a Comment