Sunday, September 30, 2018

إدغار الان بو ايقونة الرعب والغموض تأليف روان مرسي محمود أحمد


            " مجنون.. مجنون، هذا هو ما ينادونني به.. إنني حقًا عصبي.. بل شديد العصبية، ولكن لماذا يقولون إنني مجنون؟! “؛ هكذا يتساءل أحد أبطال إدغار اَلان بو في قصته القلب الواشي التي ما إن تبدأ في قراءتها حتى تتصاعد أنفاسك تدريجيًا وتعلو نسبة الأدرينالين في دمك، حينها تقرأ متلهفًا لاستكمال تفاصيل الحكاية لتصل للحقيقة لمعرفة ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن يُصدم القارئ بنهاية غامضة يغلب عليها طابع الارتباك والحيرة، ليتصدر الموت المشهد ويسقط الأبطال في فخه، هكذا يُنهي اَلان بو قصته دائمًا وأبدًا.
و يستقطبنا تكرار النهايات المحرقة والمؤلمة للقلب التي يتخيلها اَلان بو في قصصه لمُطالعة ملابسات حياة كاتب القصص، الصحفي والشاعر؛ الذي ولد عام الف وثمان مائة وتسع في مدينة بوسطن وسافر إلى بريطانيا ودرس لخمس سنوات ثم إلي فرجينيا ليستكمل مسيرته العلمية وأظهر تفوقًا في دراسة اللغات والآداب ولكنه بسبب الظروف المادية السيئة ترك الجامعة بعد ثمانية أشهر، فاز في سن 24 في مسابقة للقصة القصيرة  لينتقل بذلك إلى عالم النقد الأدبي ويصبح ناقدًا  أدبيًا لمجلة "رسول الأدب الجنوبي "، نال شهرته بعد كتابة قصيدته “الغراب " 1845 وتُرجمت للفرنسية؛ فقد أهتم بكتابة الشعر الذي برع فيه بشهادة أساتذته ولكنه إتجه للكتابة في الصحف لجني المال لسداد ديونه وعندما فشل في ذلك أدمن على الكحول؛ الذي بدوره قضى على مسيرة الان بو وحياته معًا بعدما توفت أيضًا زوجته فيرجينيا التي أحبها وكتب فيها قصائد، بعدها بعامين توفى اَلان بو عن عُمر يناهز الأربعين عامًا، بعدما ترك لنا إرثًا ثمينًا من القصص" قناع الموت الأحمر"، الروايات البوليسية "جريمة قتل في المشرحة" ومن القصائد الشعرية" الغراب" ,ليُصبح بذلك اَلان بو أيقونة لكتابة قصص الرعب وروايات المُخبرين كما يُعزى إليه تقديم أدب الخيال العلمي .
أؤمن دومًا بأن كل منا مبدع وفنان ولكننا نريد دومًا إحكام السيطرة على لجام أنفسنا حتى لا تنفلت خوفًا على صورتنا أمام المجتمع، وعلى العكس فعل اَلان بو أطلق العنان لأفكاره وتصوراته في الحياة ورسم أبطاله بكل جرأة كما أظهر تمكنه في قلمه ليرسم بذلك حبكة درامية جريئة وغير اعتيادية على القراء في القرن التاسع عشر الذي كان يميل للوداعة والهدوء ويستهوي­­­­­­­­­ قراءة الرومانسيات.
أربكت المجتمع الزوبعة التي أحدثها اَلان بو وحتى الاَن حين نقرأ قصصه لا نصدق من أين أتى بهذه الأفكار والطرق الغريبة المتنوعة في القتل؟ وكيف كان يفكر أثناء­­­ كتابته لهذه الميتات المتنوعة؟ أكان يعقد صفقة مع الشيطان ليمده بهذه السبل الغريبة المؤدية للموت؟ فتارة يقتل أبطال قصصه بمرتبة وتارة بتحنيط الضحية في قالب من الأسمنت وتارة اَخرى الطاعون.
يأخذنا اَلان بو في قصته "القلب الواشي" لحادثة مطموسة المعالم لا نتعرف فيها على هوية القاتل كل ما نعلمه أنه شعر بالتضرر من عين العجوز الذي استأجر عنده حجرة، ولماذا عينه؟ لأنها عين النسر زرقاء باهته عليها غشاوة تزعجه!!، ولم تكن عين العجوز وحدها تزعج القاتل بل كان يسمع أصواتًا لخنافس تضرب رأسها على الأخشاب ترجمها القاتل وفقًا لمعجمه التالف ونفسه المُعتلة إلى أنها أجراس إنذار تُعلن قدوم الموت!، واختلط صوت الخنافس بأنين فسره القاتل على أنه صوت رعب القادم من أعماق العجوز.
تعددت الأصوات التي يسمعها القاتل والتي صنعها اَلان بو بمهارة كاتب ملم بالأوتار التي يلعب عليها عند القارئ؛ فأبرز صوت دقات قلب العجوز التي خاف القاتل أن ترتفع لتصل إلى الجيران، لحقه مشهد القتل بالمرتبة ثم جاء جرس الكنيسة ليُعلن عن قدوم ميعاد معاقبته على فعلته، ليشي قلبه بفعلته بدقاته التي أربكته وفضحته أمام ضباط الشرطة.. وليعترف على نفسه بنفسه!
أراد اَلان بو أن يعبر عن الاضطرابات التي يعاني منها القاتل من خلال الأصوات التي كان يسمعها، ربما لأنه اُصيب بالحمى التي أضعفت حواسه، على نقيض ما يقوله القاتل إن الحمى جعلت حواسه أكثر حِدة ومكنته من سماع أشياء في الأرض والسماء وصولًا للجحيم، وربما كان لا يحب العجائز لأنهم أسائوا معاملته.
لم تكن قصة القلب الواشي وحدها تحمل في طياتها رموز غريبة لا يمكن تفسيرها، و لكن جاءت قصة قناع الموت الأحمر بغموض عقارب الساعة ودقاتها التي أربكت الجميع، وأعتنى بدقات الساعة التي تخفي خلفها الخوف والريبة من المجهول والترقب انتظارًا لما سيحدث في الساعات القادمة،  ليؤكد اَلان بو على أن الموت يأتكم حتى لو في قصور مشيدة كما قال الله في آياته؛ فقد تخيل الملك بروسبيرو أن الطاعون لن يصيبه إذا احتمى في كنيسته بعيدًا عن الشعب، ولكن سرعان ما نالت العزلة من عزيمته ليعلن عن حفل تنكري استطاع الطاعون التنكر والقضاء على الملك، ليتحول من حفل راقص إلى حفل الوداع الأخير .
تفنن إدغار اَلان بو بتصوير الموت في أبشع صورة، فجاء له الموت مباغتًا ليترك الكُتاب يتفننون في سرد أسباب موته ما بين مرض السكر والسكتة الدماغية أو إدمانه على الكحول، ليرحل عن عالمنا وقد ترك لنا الغموض عنوانًا لقصصه ووفاته.



No comments:

Post a Comment