Sunday, September 30, 2018

القسوة محرك الابداع تأليف زياد محمد معوض



القلب الواشي:
مع السطور الأولى لهذه القصة، تذكرت تلقائيًا بطل رواية " الجريمة والعقاب للكاتب العظيم " دوستيفيسكي" فقد حازت تلك الرواية في نفسي أثرًا عميقًا لا يمكن إخفاؤه في منهجيتي الفكرية، والتشابه بين بطل هذه القصة و " راسكولنيكوف " بطل الجريمة والعقاب،  هو روح الجريمة بلا أدني سبب منطقي يمكنه أن يُعرض والصراع الدائم بين الخير والشر، الجريمة والرهبانية، المجرم والمصلح، تلك المشاعر التي تختلط في نفس البطل، ثم يسير دون فكرة أساسية، كالسرقة مثلًا، أو الأخذ بالثأر، بل كان السبب هو عينا الرجل الزرقاء التي تجعل بطلنا يُصاب بالرعشة والتجمد – أي يقال الخوف – فلا يُعد سببًا منطقيًا للقتل .
إن التفسير – في رأي – لهذه الجرائم التي تحدث دون دافع مادي من الجريمة أو المجني عليه. هو عبارة عن اختلاط شعوري عنيف يزول تأثيره عند الوصول لذروة الشيء أو أقصى ما يمكن في ذلك الشعور، ويكون الدفاع العقلي هنا ضعيفًا، فلا يستطيع أن يكبح جماح هذا الشعور، كالشعور بالحب مثلًا، يهب فجأة غارات من المشاعر نحو شخص ما، وتشعر بإلحاح داخلي شديد للتواصل مع هذا الشخص، دون معرفة سبب الاختيار النابع من الداخل لهذا الشخص، رغم وجود الكثير في هذا العالم والذي لم يتميز عن هذا الشخص في شيء البتة! وسرعان ما تجد – في بعض الأحيان بالتأكيد – أن هذا الشعور يبدأ في التلاشي أو الانخفاض تدريجيًا، ليس كأول مقابلة مثلاً.. ويحدث ذلك نتيجة لبلوغ ذروة تلك المشاعر وتحقيق بعض ما رمت إليه من البداية، كالزواج مثلًا، أو الكثير من المقابلات الفردية.
وعلينا الآن أن نتفق في أن الدافع شعوري كامل، لا يبرز شيء عن مفاصل الشخصية، فلم تكن الشخصية إجرامية هنا أو محبة للجريمة بل حالة استثنائية، ولكن هناك رد فعل شعوري مماثلًا تمامًا للذي نراه في طبيعة الأجسام، وهو " الضمير " وقد نثبت وجود الضمير الحي في البطل في نهاية القصة حين أعترف في النهاية بقتله للرجل العجوز، رغم حدوث شيئان:
الشيء الأول: ذكر البطل كثيرًا لبراعته وفطنته في تنفيذ الجريمة والتي تمت في غصون ثمانية أيام على وجه الدقة، ومع ذلك، رحمته الشديدة بالعجوز فكان لا يحدث صوتًا، لأنه لا يريد أن يزعجه، لا خوف من كشف العجوز لنواياه.
الشيء الثاني: أنه أحزر بعض من الاطمئنان في قلوب الضباط مما يعطيه بعض الشعور بالراحة والفخر أيضًا بفطنته لتنفيذ الجريمة دون أي أثر.
ولكن ما رأيناه عكس ذلك، فقد بدأت صيحات الضمير تخرج من خبائها المندثر في الأعماق وتعلو أصواتها حتى أصبحت أشبه بالأهازيج الذي لا يقدر على مقاومتها ولا يستطيع التحلي بالمزيد من الصبر، فيقوده للاعتراف غير مباليًا بالنتائج التي تلحق باعترافه، قائلًا عبارة توقفت عندها كثيرًا وهي:

" لقد كان أي شيء أرحم من هذا العذاب! يمكنني تحمل أي شيء ولا هذه السخرية "

أري أن الكاتب هنا كان لبقًا جدًا ومحوريًا في سرده، فانتزع القراء من روح الجريمة حتى يأتي بهذه الجملة والذي يوضح فيها مدى تأثير سخرية الآخرين،  في إتخاذ الأفعال السريعة دون تفكير مطلقًا , وهذا ليس مجرد سبب قوي يدعو إلي الاعتراف، بل نحن هنا نشير إلي جريمة تمتعت بيقظة الضمير وفناء المشاعر الإجرامية بعد بلوغ ذروتها النهائية، فإن كانت القضية تشير إلي هدف مادي أو ذريعة إجرامية , لكان الأمر مختلفًا، ولا سيما هذا الأمر متعلقًا بالجرائم فقط , فتأثير السخرية تأثير بليغ في كل موضوعات الحياة , فهو يجعلك بسهولة تكره شخص , أو تتولد لديك رغبة عنيفة بالانتقام ويكون سبب الانتقام " سخر مني " ألا يبدو الأمر مثيرًا للسخرية أيضًا!

أقرت معظم الأبحاث عن الجريمة، بأنه يصعب وجود ما يُعرف بالجريمة الكاملة ربما يستحيل، ولكن هنا قد تمت بالفعل الجريمة الكاملة التي مُحيت أثارها وكان من العسير جدًا أن تجد الشرطة أثار تلك الجريمة والعثور على الجاني الحقيقي، كما حدث مع بطل رواية الجريمة والعقاب، ولكن الاهتزاز الداخلي الذي ينتج عن صحوة الضمير هو ما يجعل تصرفات الجناة مثيرة للشك، رغم تعسر وجود الأدلة. وهنا نلتمس فرقًا آخر بين الجاني الذي ينفذ جريمته لهدف مادي، وجان أخر نمت داخله مشاعر الجريمة , والفارق هو الغرض، أو المعني الأدق ..الدافع الحقيقي، النوع الأول مُصوب نحو الشيء المادي الذي يريده،  يخشي انتباه صاحب ذلك الشيء، ويرتجف أحيانًا بشدة خوفًا من إفساد خطته،  فأحيانًا يترك أثرًا، ولكنه حقق ما كان ينشده وهو الشيء المادي الذي بين يديه، أما النوع الأخر فالمحرك الأساسي له هو الرغبة القوية في فعل الشيء والإصرار القوي، هناك شيء خفي يدفعك للأمام دائمًا دون هدف، فغالبًا ما لا تجد لديه الخوف من الإفساد فلا شيء أمامه ليخسره، ولكنه الحذر حتى تتم الجريمة بطريقة بشعة لترضي الإصرار لذلك المحكم الحقيقي في هذه المسألة الغرض الأساسي، فهو المولد للعبقرية ..وليس خبرة الجاني.  

أري بعض الأشياء التي أصابتني بالضجر أثناء قراءة القصة وهي تكرار ذكر الكاتب لتصوير عقارب الساعة ثلاث مرات، في ثلاثة مواقف مختلفة. الموقف الأول حين دخل الجاني في الليلة الثامنة لينفذ جريمته فوصف بطيء حركته قائلًا بأنها أبطأ من عقارب ساعته، والموقف الثاني حين كان يقف أمام العجوز وجه لوجه في الظلام الحالك، شبه دقات قلبه بعقارب الساعة دلالة على سرعتها، والموقف الثالث خلال صراعه الداخلي حين وجود الشرطة ذكر نفس التشبيه ولكن على دقات قلبه هنا، لم أحب تكرار نفس التصوير في أكثر من موضع، كان من الممكن التنوع في التصوير بدلًا من ذكره مرات متعددة.  

وفي النهاية كانت قصة برغم صغر حجمها إلا أنها تحمل جذورًا عميقة من الشعور وتطرقنا إلى التفكير في كثير من الأمور، جذابة لحد جيد ولكنها لا ترقى إلى الممتاز، ولكنها في المجمل، كُتبت بطريقة يُحسد عليها كاتبها. 

******


قناع الموت الأحمر:
السور الفاصل بين الثراء الفاحش والفقر المدقع، التكبر...تلك الذريعة النفسية التي تقنط داخل المرء فيصبح أمر التفرقة العنصرية واجبًا مقدسًا، الحماية المتكلفة دون معالجة الوباء، وهذا ما فعله أميرنا " بروسبيرو " حين انتشر وباء الطاعون " الموت الأحمر "
قصة بها الكثير من الانطباعات المختلفة، وجميعها لا يحمل جزءًا من الخطأ، في البداية يمر الكاتب بأداة تصويره، ليظهر الفرق الشاسع بين طبقتين من طبقات المجتمع: الطبقة الحاكمة، والطبقة المحكومة. مبينًا وصفًا لحالة من الحالات التي تبرز هذا الفرق وهو المرض، في البداية تجد الاندهاش من تسمية الكاتب للمرض بالموت الأحمر! أكان عليه أن يكتب الطاعون .... ولكن هذا ما تبينه باقي سطور القصة.
ثم تنجذب مرة أخرى في أسلوب الكاتب الشيق لوصف الدير وحجراته التي صُممت بطريقة على غير العادة والزخارف الغريبة التي صممها هذا الأمير والذي يصفه الكاتب بوصف " الشاذ " فتنفصل تمامًا عن فكرة الطبقية ثم تنغمس في تخيل شكل الدير والزخارف والحفلة وملابس وزينة الحاشية وكبار المدينة، لتجد أن الطابع بدأ يأخذ منطلقًا أخر بالتدريج.
تُقام الحفلة في الدير، ليأتي الكاتب إلي عقلك بشيء يدعو إلى الاندهاش والتفكير بعمق شديد، وهو أمر الساعة التي تعطي رنينًا مزعجًا بعد مرور ساعة، مما يجعل أجواء الحفلة تتوقف فجأة حتى ينتهي هذا الصوت، ويثير داخلك الكثير من الأسئلة حول هذا الأمر، لتنسي الطابع الأول، وطابع الحياة الملكية وتفكر في أمر هذه الساعة وتنتظر ما ترمي إليه.
ثم تأتي الثانية عشرة ويظهر شبحًا ليعتقد الجميع بأنه شخص به داء الموت الأحمر فيصاب الجميع بالفزع ويحدث بينه وبين الأمير شجارًا عنيفًا ينتهي بموت الأمير، ويُمسك به الجميع ليروا أنه شيء طويل القامة وليس بشريًا من الأساس.
وهذا التفصيل الدقيق لأجزاء القصة ما هو إلا لتوضيح التغير السريع في الانطباعات ولغة التفكير، كما أنه يثير الكثير من التساؤلات أيضًا ...وهذه النقطة دليلًا جليًا على عبقرية الكاتب في وصف كثير من القضايا العميقة والتي تدعو للتفكير في قصة لا تتعدي العشر صفحات، ومن الجانب الأخر فإنه ترك مساحة شاسعة للقارئ لأن يتخيل ما يرمي إليه الكاتب، وكل قارئ يقتبس الهدف الذي يراه هو الذي مناسبًا.
أري أن منهجية الكتابة التي يرسمها الكاتب في قصصه هي البداية بالتلاعب الشعوري، ثم الانبهار للوصف الذي يصفه الكاتب، ثم إثارة التساؤلات ومحاولة البحث عن الإجابة، ثم إجابة مقتضبة لا تعطي للسؤال حقه الكافي ويفكر القارئ في الجزء الأخر من الإجابة، ويفعل ذلك بانسيابية شديدة دون خلق أو تداخل وهذا ما يجعل الأمر مثيرًا ورائعًا.
دائما ما يقال إن “الأدب مرآة العصر " وأنا أؤمن بهذه الجملة إيمانًا تامًا، بدون الأدب ما كنا لنعرف شيء عن العصر الجاهلي وأحداثه وصراعاته، ما كنا نعرف من هو " عنترة " ومن هي عبلة، والعصور الأخرى في كثير من الحضارات، ما كنا لنعرف شيئا عن عادتها وسماتها المجتمعية، إلا من خلال تجسيد صورة حية لهذا الزمان، وقد ظهرت هذه الصورة مع سطور الكاتب الأولى والتي تشير نحو الطبقية ثم الحفلة الفخمة، فالأمر هنا يدعو للتفكير والتعمق، أما الجزء الأخير، فأجد أنه شيء لا يمت لعصر الكاتب بصلة
ويمكننا أن نقول أيضًا إن " الكاتب مرآة نفسه " فلشخصية الكاتب تأثيرًا كبيرًا في كتاباته، ولا أبالغ حين أقول إن منشأ كاتب جيد يبدأ من حوارات وذبذبات داخل النفس البشرية تنتج عن إما تجارب حياتية سابقة أثارت نفسه، وإما محرك الموهبة الذي يخلق شعورًا جديدًا يجعل صاحبه ينطلق بإبداع لا يتوقف. وعند التركيز في الأمور المشتركة بين هاتين القصتين نجد أن الكاتب به روح من القسوة أو النهايات المظلمة في كتابته، وتفسيرها كالآتي:
تيتم " إدغار آلان بو " في السنة الثانية بعد ميلاده ثم كفلته عائلة أخرى , وأهتم هذا الوالد الجديد بتعليمه - - والذي بالمناسبة هو الرجل الذي يحمل اسمه الآن – و حتى حدثت الكثير من الاضطرابات بينه وبين والده خصوصًا بعد عكوفه على الخمر فهاجر إلي بوسطن , وحدثت الكثير من التقلبات الحياتية – دون الخوض في تفاصيل ما - مما جعلت الحياة أمرًا شاقًا وعسيرًا على هذا الرجل فالنتيجة المتوقعة هي نمو شيء من المقت من جانب هذا الرجل إلي الحياة والنظر لمعظم الأمور بنظرة سوداوية وانعكاس تلك الصور لتصورها الأقلام، وقد ظهر هذا جليًا في قصتيه " قناع الموت الأحمر  " القلب الواشي "
وفي النهاية نحن أمام كاتب عبقري أدرك قيمة كل شيء يضعه في قصصه، ليس بالسهل أن نعرف ما يريد أن يقوله في كتاباته، وليس بالعسير أن نجد اللذة والمتعة في كل ما يكتبه.

No comments:

Post a Comment