ظلام
دامس، أصوات تتجول حول المكان، ليل أنزل بدماسة على النفوس، فأخرج وفض ذاكرته
بهمومه، فإنطلق غضب أو حزن أو قليل من التناقضات في الوجدان، حائر بين الخلق أم أنت
المختلف عن الخلق، الناس إما تزرع في الشخص أسمى القيم أو تدفنه وسط القاذورات أو تجعله
كالمعلق في حبل المشنقة وتحت قدميه كرسي لا يستطيع أن ينزع حباله، أو من الممكن لا
هذا ولا ذاك وإنما هو بداخلك شتات، فتبقى مع فطرتك السليمة وإما تنزلق قدماك فتسقط
مع النفوس الهاوية، هذا ما نراه واضحًا عند
قراءة قصة القلب الواشي للمؤلف" إدغار آلان بو "، لم تكن حياة "إدغار"
بقدر من اليسر فكانت طفولته أشبه بطفولة بائسة، فقد كان يتيمًا منذ سنته الثانية ،
وتم تبنيه من قبل أسره بورجوازية وبدأ الوالد بالاهتمام به حتى وصل إلى العام
الأول من دراسته الجامعية، لكن علاقته به كانت شديدة الاضطراب، خصوصًا بعد أن بدأ إدغار
بتعاطي الخمر فهاجر إلى" بوسطن" عام 1827 و بدأ كتابة الشعر من دون أن
يحظى بفرص كبيرة للنشر، وانضمّ إلى الكلية الحربية في الجيش الأميركي كجندي، وقد أثرت حياته بالفعل على ما كان يؤلفه من قصص،
قصة" القلب الواشي" ومثل العديد من أعمال" بو"، هي قصة مظلمة
و ترتكز الأحداث على وفاة رجل عجوز، ولكن وجود العديد من المعاني العميقة التي موجوده
في القصة المتكونة من سبع صفحات، واستخدام المؤلف لطرق كثيره مثل السخرية والسر
والتنبؤ قد أثرت على اهتمام القارئ وفضوله
بشكل جيد، وحيث تشعر وكان ما تقرأه بالفعل يحدث أمام عينك تعتبر الشخصية الرئيسية للقصة مشوهة ومتناقضة
بين حب وكره رجل عجوز، ربما كانت القصة عن خادم
يقتل سيده ومن الممكن أن يكون الراوي يحكى قصة وهمية وما حكى عنه مجرد وهم
من خياله نتيجة التأثر بمرضه، ومن الممكن أن يكون قد تعافى جزئيًا أثناء سرده للقصة
وأنه وقت الحادث كان مريضًا بالفعل ، ولكن إن كان هذا صحيحًا فلما لم تظهر عليه
علامات الندم، كما أنه أظهر أنه كان ولا يزال عصبيًا وأدراك الإنسان لعصبيته دليل على الإدراك الجزئي للعقل، أن السبب في فتح
قصة الجريمة وتفاصيلها هو إِقناع القارئ بتعقله، وعند قوله كيف يمكن أن أخبركم
القصة بهدوء كان هدفه اظهار سلامه عقله، تبدأ القصة بروى الأحداث عبر شخص مجهول الهوية
ومجهول البلد و لم يتم حتى بالكشف عن اسمه، وتمكن المؤلف من أثاره فضول القارئ
بهذه الطريقة المصحوبة بالغموض، من الواضح أنه شخص متوتر بشكل مخيف، ويحكى الراوي
عن مؤامرة لقتل رجل عجوز و سبب تقدمه لهذا الفعل هو عين العجوز فقد كان يكرهها
ويلقبها بعين النسر ليدافع عن فعلته كما أن هذا السبب يعطى دليلًا تافهًا على
سلامه عقله، هناك غرابة في طريقة إلقاء الراوي للقصة حيث أنه يشعر بعدم ثقة القارئ
فيه ظهر ذلك في تردد جملة تخالف ادعائه بالجنون، وهناك العديد من الأسباب التي
تثير الشك لدى القارئ أنه عكس ما ذكر أولها، ادعائه بحب الرجل العجوز وإقراره بأنه
كان يحسن معاملته.
ولكنه ذكر تفاصيل قتله بوحشيه، كما أنه كان يضحك من ذكائه
لقيامه بذلك الفعل.
وبالرغم من تسلله سبع ليالي لغرفته أثناء نومه ولكنه لا يزال لا
يستطيع قتل الرجل العجوز،
وهنا الجزء الوحيد الذى يجعلك تعتقد بحبه للرجل ولكن ما جاء بعد
ذلك ينفى ما ظهر، الغرابة هنا يمكن للشخص الطبيعي أن يتراجع عن أفكاره إذا قام
بالانتظار وخصوصًا سبع ليالي، إما بالنسبة للراوي قام بإتمام الجريمة في الليلة
الثامنة وتمزيق جسده ووضعها تحت ألواح أرضية غرفة الرجل المسن، كما أن ما يثبت
للقارئ بأن لديه خلل ما بعقله أنه مع تقدم أحداث القصة يسقط الراوي أعمق وأعمق في
الجنون مما يجعله بالفعل شخص غير موثوق فيه، ساعدت طريقة روى الراوي للقصة في الكشف
عن المرض الذى يلاحق الراوي، إن الراوي مصاب بمرض من الأمراض النفسية وبالتحديد
البارا نويا، ويصاحب هذا المرض توهمات و
هلاوس سمعية وبصرية، وهو اضطراب عقلي و يعتمد المريض فيها على تشبثه باعتقاد خاطئ،
قد يتسم هذاءاته بالمنطق لكنه ليس قائم
على أساس صحيح.
ويزعم الراوي بأن الرجل العجوز لديه طباع العجز والضعف، وبالرغم
بشعوره بضعف الرجل المسن كان يستخف به، وهنا يكشف أنه ومن المؤكد أن الراوي كان يرى ضعفه من
خلال الرجل العجوز وكان الرجل المسن كما رأه الراوي، وبالرغم من معرفه ضعفه، كان
يعتقد أن قلب الرجل العجوز مازال ينبض حتى بعد قتله ووضعه تحت ألواح الخشب، كما أن
تناقده في اظهار سلامة عقله
تكمن في تحدثه عن احتياطاته التي وصفها بالحكيمة، لإخفاء جسد
الرجل العجوز وبذلك قام بتفكيك هدفه لإقناع القارئ بأنه عاقل، بمعنى رواية الحكاية
هي جزء من الجريمة نفسها، وعند مجيئ ضباط الشرطة الثلاث، والترحيب بهم بشيء من
الرزانة والقول بأن الرجل العجوز خارج البلدة، وابتسامته لهم واظهار أنه لا يوجد
خطب ما أو أي اشتباه في الجريمة ، واعتقد أنه يعلم أن السبب لأى شخص طبيعي يفكر في قتل هذا الرجل هو الكنوز التي
يملكها لذلك أراهم كنوز الرجل العجوز، وليثبت عدم توتره قام بإحضار الكراسي للضباط
، كما أنه أجاب على أسئلتهم بهدوء تام و
كان لاضطراب عقله عاملًا لكشف جريمته التي ارتكبها ، كما استخدم" بو" التوصيف
في اظهار النضال الذى تحمله الراوي والصراع مع نفسه وبالنهاية يستسلم لذنبه ،
والتي تظهر في سماعة للرنين في أذنه وهلاوس الصوت لم يحتمل
ووصفها كالتي تظهر من عقارب الساعة عندما تكون موضوعة في وسط
شوال من القطن. كما
أنه اعتقد بأنه يتحدث ويقوم بحركات عنيفة وأنه قد رمى الكرسي من شده الانزعاج،
ولكن لم يكن يسمعه أو يشعر به أحد من الضباط، واستمروا بالكلام كما أظهر بعض
الرموز مثل القلب الذي كان سريع الخفقان حتى ظن بأنهم قد علموا كل شيء وأنهم
يسخرون من توتره، فلم يحتمل حينها وأفصح، عن جريمته، بقوله هنا يوجد هذا الخفقان النابض
البغيض، استطاع "بو" أن يؤكد على أن الذنب قوى ولديه قدره التغلب على
الضمير.
.....................................................................................................
ولا يمكنك
الاختباء أنه يراك يشعر بخوفك و يراقبك بل أنه و بالفعل بجانبك الآن، ومع الوقت
يبدأ العد التنازلي لحياتك، فينتظر إشارة من القدر ليقوم بمهمته، ربما استطعت
النجاة منه مرة أو مرتين، ولا تظن أن هذا من ذكائك، لأنه مازال يتلاعب بك، وينتظرك
في نهاية الطريق، كان لإدغار خيال واسع ونابض بالحياة، وهو أحد الأسباب التي جعلته
يرتقى إلى النخبة الأدبية يكتب
"بو" قصه تقشعر لها الأبدان، كما استطاع " بو" أن ينشأ مشهد سريالي
في قصة " قناع الموت الأحمر"، كما غلب عرض القصة ووصف للدير والغرف بالمقارنة بقصة " القلب الواشي"، القصة بها رموز عديدة غامضة ومخفيه،
تبدأ القصة
بانتشار الطعون الذي عرف وقتها ب "الموت الأحمر"، ودخوله على مملكة
الأمير "بروسبرو" وموت أكثر من نصف سكان المملكة، وتستمر
القصة بجمع الأمير لأقرب أصدقائه، والمقربين اليه في القصر، إما جدران القصر فكانت
عالية وحديدية مما يجعل من المستحيل لأي شخص دخولها أو مغادرتها، وتم تخزين الطعام
والشراب وقاموا بإغلاق أبواب القصر للحماية من الطاعون، وانتظارًا لزواله، ويقيم
الأمير حفلة تنكرية ويلاحظ أحد الضيوف مرتديًا زي الموت الأحمر فيقوم الأمير بمواجهته،
ولكنه يلقى حدفه في النهاية، يدرك باقي الضيوف ما فعله الموت الأحمر بالأمير، ويبدأ
الموت بإسقاطهم الواحد تلو الآخر
من المرجح أن
التفسير الوحيد لشكل القاعة والقصر، وما بداخله من ديكور، يعطى بأن الأمير فيه
شيء من
الغرابة، في وسط الموسيقى الصاخبة والمدعوون كان هناك ضيف غريب عن باقي المدعوين،
وكان طويل القامه، ورفيع، يشبه الجثة في القبر، ويرتدي قناع كوجه الميت، يأمر الأمير
بالكشف عن المتسلل ويعلن عن شنقه في الصباح، وتبدأ بمطاردة الأمير له وينتقل من
غرفه لأخرى وصولًا للغرفة السوداء الأخيرة، ويواجهه فيسقط الأمير ميتًا وعند لحق
الضيوف والحراس بهما، يكتشفون أنه لا يوجد شيء داخل الزي أو القناع، ويكشف
"بو" عن هوية المتطفل، وبالرغم من انشغال القارئين بموضوع الموت والمرض
في القصة إلا أن "بو" ركز على رحلة الحياة حتى الموت، في كتابة قصة من
هذا النوع كان
"بو"
ينظر للأمراض التاريخية التي حلت بالمجتمعات، فيمكن للقارئ أن يلاحظ الشبه الوثيق
بين الموت الأحمر و الموت الأسود الذى انتشر في العصور الوسطى، ووباء الكوليرا
الذى دمر فيلادلفيا 1790، كما ارتبطت الأعراض الجسدية للكوليرا بوصف الموت الأحمر،
وربما صمت الضيوف أثناء أصداء الساعة كانت نتيجة لخوفهم من المرض أو من الممكن أن
تكون إعلانًا لقدوم الموت إليهم، فكلما تقدم الوقت زادت فرصة الموت، المثير للأمر
اختيار "بو" للرقم سبعة في عدد الغرف فكانت أولهم اللون الأزرق و
الأرجواني و الأخضر و البرتقالي و الأبيض والبنفسجي أما الغرفة الأخيرة كانت
السوداء، كانت الغرف ترمز لمرحلة حياة الإنسان وإن كل غرفة من الغرف هي مرحلة،
وصولًا بالمرحلة الأخيرة وهى الموت، كما أن وضع السبع غرف من الشرق للغرب يُذكر
القارئ بمسار الشمس والوقت، حيث الشمس تشرق من الشرق وينتهى بها المطاف بالغرب
الذى نهايته الليل والذى يرمز للموت، كما أن يخشى الضيوف دخول الغرفة السوداء لأن
بالفعل كل إنسان يخشى الموت، وبالرغم من أن الأمير قد اختار الغرف بنفسه
و أمر بنائها، ولكنها في النهاية أودت بحياته، أما عن رمز آخر من الرموز التي في القصة
وهى رمز" الساعة الأبنوس" الضخمة التي في أخر الغرفة كان يدل هذا الرمز على
أهميه الزمن في الحياة، فكل ساعة تقضى من حياتك وتقربك أكثر إلى الموت، إن الموت
ينظر للناس بشكل سوى، في النهاية هي قصة رمزية تخبرنا بوضوح أنه لا تستطع أن تغش الموت،
أو تترجاه لوقت إضافي لحياتك، وإن لكل إنسان في النهاية لديه موعد مع الموت.
No comments:
Post a Comment