Sunday, September 30, 2018

الذي لا يقهر تأليف محمد رضوان محمد أحمد



كان الموت ومازال منذ الأزل حقيقة ثابتة أجمع عليها البشر على اختلاف أفكارهم ومعتقداتهم، يموت الصغير منهم والكبير، الصحيح والعليل، الشجاع والجبان، لم يستطع التطور التكنولوجي أن يوقفه عن أداء مهمته الأزلية، فبقي على مر العصور سيفًا مسلطًا على رقاب البشر.
 وقد أدى الموت دورًا هامًا في حياة الكاتب الأمريكي الشهير (إدغار آلان بو) منذ بدايتها؛ فقد غيب الموت والدته وهو مازال طفلًا رضيعًا. وربما ترك ذلك أثرًا واضحًا في كتاباته؛ إذ كان الموت حاضرًا بصورة أو أخرى في الكثير من قصص (بو)، فعلى سبيل المثال في قصتيه الشهيرتين (القلب الواشي) و (قناع الموت الأحمر) كان الموت –في رأيي- حاضرًا بقوة، إذ يمكن اعتباره بطلًا مشتركًا بينهما، فحوله تدور الأحداث، وبه تنتهي حياة أغلب الشخصيات، يتجاوز بثقة وجرأة حدود الزمان والمكان بلا قيد أو رادع أو شفقة.
وتتضمن قصة (القلب الواشي) شخصيتين رئيسيتين: الأول رجل مسالم، تشبه إحدى عينيه عين النسر أو العُقاب، والآخر جاره المضطرب عقليًا الذي ينفر ويفزع من هذه العين، ومن ثم يقرر الأخير قتل الأول للتخلص من هذه العين الشريرة –كما يصفها- فينتهي دور الجار العجوز في القصة بموته؛ إذ ألقاه الجار المضطرب أرضًا، ثم ألقى فوقه السرير الثقيل حتى فاضت روحه، ويحاول الجار المضطرب النجاة بنفسه بإخفاء الجثة أسفل أخشاب أرضية غرفة القتيل، لكن اضطرابه العقلي يفضحه؛ إذ يهيئ له أن نبضات قلب القتيل تتعالى حتى أنه يسمعها بوضوح؛ فيعترف -مختارًا- لرجال الشرطة بجريمته، وهي جريمة عقوبتها الموت (الإعدام بوسيلة ما) في أغلب المجتمعات والعصور، فالموت في هذه القصة يبسط سطوته وسيطرته على كافة الشخصيات، أحدهما مات مقتولًا بلا ذنب اقترفه، والآخر من المتوقع أن يفقد حياته كعقوبة على جريمته.
أما في قصة (قناع الموت الأحمر) التي تحكي قصة أحد الأمراء (الأمير بروسبيرو) الذي فتك الموت بنصف سكان بلاده، وبدلًا من محاولة البحث عن علاج لبقية شعبه يقرر الهرب من الموت بوباء الطاعون (المسمى بالموت الأحمر) بالاختباء والاحتماء في دير أو كنيسة حصينة، ومعه نحو ألف فرد من الفرسان ورجال وسيدات البلاط، ولكن الموت في نهاية القصة لا يكتفى بأروح البسطاء التي حصدها، بل يحصد أرواح كافة الحاضرين المتحصنين بعيدًا عن الوباء بدءًا من الأمير وانتهاءًا بضيوفه من الرجال والنساء، أي أن حضور الموت في هذه القصة كان طاغيًا إذ قضي على كافة الشخصيات دون تفرقة بين غني وفقير، وحاكم ومحكوم.
والموت في القصتين يؤدي دوره المحتوم -كما اعتاد منذ الأزل- دون التفرقة بين شخص جبان وآخر رعديد، فلا يتراجع شفقة بالأول أو خوفًا من الثاني؛ فالكل ميت لا محالة؛ فهو لم يرأف بالرجل العجوز المسالم الذي كان يرتجف على فراشه بينما تتعالى نبضات قلبه فزعًا وخوفًا من المجهول، ولم يرحم المواطنين البسطاء الذي أخذهم على حين غفلة منهم، ولم يَهب الأمير الشجاع بخنجره ذا النصل اللامع، أو يتراجع أمام الفرسان ورجال البلاط رغم كثرتهم، فشخصية الموت شخصية شجاعة قوية لا تتردد أو تتقهقر أمام أي شخصية مهما كانت صفاتها أو طبيعتها.
وعلى الرغم من أن الموت كان حاضرًا بقوة في القصتين إلا أنه لم يتجسد في صورة حسية ملموسة في القصة الأولى؛ وإنما كان نتيجة لهجوم الجار المختل على جاره العجوز، بينما تجسد في القصة الثانية في صورة شخص طويل، هزيل، مقنع، ومكفن بأكفان ملطخة بالدماء، يسير في ثقة وتؤدة بين الحاضرين من علية القوم، يثير الفزع والرعب في قلوب الجميع، بينما يختفي تحت هذه الأكفان هيكل عظمي يحمل الطاعون (الموت الأحمر) يقضي على من شاء في لحظات في أعقاب صراخ الضحية نتيجة الآلام المبرحة كما حدث مع الأمير، أو يقضي على الألاف في فترة وجيزة كما حدث مع شعب الأمير وكما تكرر مع ضيوفه في وقت لاحق.
وعنصر الزمن في القصتين فيه شيء من التباين، ففي قصة (القلب الواشي) استغرق الموت ثمانية أيام للإجهاز على شخص واحد بعد عدة محاولات من جاره المضطرب عقليًا، لكن عملية القتل نفسها تمت في فترة وجيزة هي الفترة ما بين إلقاء العجوز أرضًا ثم إلقاء سريره الثقيل فوقه، أما في قصة (قناع الموت الأحمر) فإن الموت يظهر بصورة قوية جدًا، فالطاعون المسمى بالموت الأحمر يفتك بالإنسان الواحد خلال نصف ساعة بدءًا من ظهور الأعراض المرضية حتى وفاته، وقد استطاع بقوته الفتاكة القضاء على نصف سكان بلاد الأمير (بروسبيرو)، وقد حاول الأمير نفسه الاحتماء في الدير الحصين مع حاشيته لبضعة شهور إلا أن الموت -حين آن أوانه- ظهر للأمير وحاشيته عند منتصف الليل ليقطع عليهم حفلهم الراقص وموسيقاهم السعيدة، فبدأ حفلًا من نوع مختلف، حفل حصاد للأرواح، بدأ فيه بروح الأمير في ثوانٍ معدودة، ثم ما لبث أن حصد أرواح ضيوفه الألف قبل أن تشرق شمس يوم جديد، فالموت لا يأتي في التوقيت الذي يراه الإنسان مناسبًا بل يأتي بغتة، حتى لو توهم الإنسان أنه قد فر منه، أو أجل تنفيذ الحكم الصادر ضده، فإن الأمر لا يعدو إلا أن الموت لم يسع إليه، فإذا حانت لحظة الموت سعى إلى ضحيته في أي توقيت، واستغرق في عمله ثوان أو دقائق أو ساعات.
ولا يفرق الموت بين مكان وآخر، فالقصور والحصون تتساوى عنده بالأكواخ والشوارع، فهو لا يعجز عن الوصول إلى أي موضع يريده في أي وقت يحدده، فقد وصل إلى الرجل ذي العين المعطوبة وهو على فراشه داخل حجرته الآمنة بين جيرانه الذين عاش معهم لزمن طويل في مودة، وقد فتك بنصف سكان البلاد في دورهم وحقولهم ودروب بلادهم، ثم بالأمير والفرسان والنبلاء رغم كل التحصينات ووسائل الأمان والإجراءات الأمنية. فالكاتب –في اعتقادي-  كما يظهر من القصتين يؤمن أنه لا يمكن الاختباء من الموت، ولا يمكن لمكان أن يكون آمنًا من وصول الموت إليه، لا الحجرات المغلقة، ولا القصور المحصنة، ولا أعلى الأسوار وأمتن التحصينات، وهو أمر يتفق مع ثقافتنا وتراثنا، ويتوافق كذلك مع الآية القرآنية " أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ.." [النساء:78]
الخلاصة إن الموت كما يظهر في قصتي (بو) حتمي، لا يتأخر عن موعده، فلا ينسى ضحاياه مهما طال الزمن، ولا يمنعه مكان من الوصول إلى هدفه، ولا يفر منه شخص مهما بلغت مكانته أو سطوته، يحصد الألاف من البشر بنفس السهولة التي يقضي بها على فرد واحد.
فالموت عنده كما هو في الواقع ..... لا يقهر.


1 comment: